منوعات

الأحد 06 يوليو 2025 8:12 مساءً - بتوقيت القدس

هل تدفع الأرض ثمن الذكاء الاصطناعي؟

عبد الرحمن الخطيب


في تقرير لـ"شيروود" و"أكسيوس" و"أكسنتشر"، والوكالة الدولية للطاقة، حذّرت جهات بحثية وتقنية من أن الذكاء الاصطناعي قد يتحول إلى مصدر تلوث يفوق حتى صناعة الطيران من حيث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، إذا استمر النمو المتسارع في الطلب عليه على نفس الوتيرة الحالية، حيث تشير التقديرات إلى أن حصة الانبعاثات الناتجة عن مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي سترتفع بشكل حاد من 0.2% من إجمالي الانبعاثات العالمية في عام 2023، إلى نحو 3.4% بحلول عام 2030، متجاوزة بذلك نسبة الانبعاثات التي سببتها صناعة الطيران في عام 2023 والتي بلغت 2.5%.

هذا التحول الدراماتيكي في نسب التلوث الكربوني يعكس وجهاً غير متوقع للتطور التكنولوجي، ويطرح تساؤلات جادة حول التكلفة البيئية لثورة الذكاء الاصطناعي، ففي الوقت الذي ينظر فيه إلى الذكاء الاصطناعي كقوة دافعة للتقدم في ميادين متعددة، من الطب والتعليم إلى الصناعة والخدمات، يتزايد القلق من الآثار البيئية التي يخلفها هذا التقدم، لاسيما مع اعتماد نماذج الذكاء الاصطناعي الكبيرة على طاقة حوسبة كثيفة تتطلب مراكز بيانات ضخمة تعمل دون توقف وتستهلك كميات هائلة من الكهرباء، غالباً ما تُنتج من مصادر غير متجددة.

ورغم أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تبدو غير مرئية أو "نظيفة" مقارنة بمداخن المصانع أو محركات الطائرات، إلا أن الحقيقة مختلفة تماماً. فمراكز البيانات، التي تشكل العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، تستهلك كميات ضخمة من الطاقة، ليس فقط لتشغيل الخوادم بل أيضاً لتبريدها، خاصة في المناخات الحارة أو في المدن ذات الكثافة الرقمية العالية. وفي دول مثل إيرلندا، التي أصبحت مركزاً رئيسياً لبيانات شركات التكنولوجيا الكبرى، تزداد الضغوط على شبكات الطاقة بسبب النمو الهائل في هذا القطاع.

يُظهر الرسم البياني المصاحب للتقرير تسلسلا زمنيا لتوقعات انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن مراكز الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القادمة، ويقارنها بنسبة الانبعاثات الناتجة عن الطيران المدني في عام 2023. وقد بدأت هذه الانبعاثات من مستوى منخفض في عام 2022 بنسبة 0.1%، ثم قفزت إلى 0.2% في عام 2023، ويتوقع أن تتضاعف إلى 0.4% في 2025، وتستمر في الصعود حتى تصل إلى 3.4% في 2030، ما يشير إلى معدل نمو غير مسبوق في تاريخ الصناعات التقنية.

هذا الواقع الجديد يضع أمام الشركات والحكومات تحدياً معقداً: كيف يمكن مواصلة الاستفادة من قدرات الذكاء الاصطناعي دون الوقوع في فخ التلوث الكربوني؟ خاصة أن الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي المتطورة، مثل تلك التي تولّد النصوص أو الصور أو البرمجيات، تعتمد على عمليات "تدريب" تتطلب مئات الساعات من العمل على خوادم عالية الأداء تستهلك طاقة بحجم استهلاك أحياء سكنية بأكملها.

ولا تقتصر الإشكالية على البنية التحتية فقط، بل تشمل أيضاً السياسات الاقتصادية والمناخية، إذ إن الشركات الكبرى تتسابق للاستثمار في مراكز بيانات جديدة لتوسيع قدراتها في الذكاء الاصطناعي، بينما تواجه الحكومات ضغوطاً لتحقيق أهدافها المناخية، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تناقض بين أولويات التنمية التكنولوجية والاستدامة البيئية.

لكن في المقابل، ثمة مبادرات واعدة تحاول إيجاد حلول توازن بين التقدم الرقمي والحفاظ على البيئة. من أبرز هذه الحلول التوسع في استخدام الطاقة المتجددة لتشغيل مراكز البيانات، وتحسين كفاءة الخوارزميات لتقليل الطاقة المطلوبة في عمليات المعالجة، إلى جانب توزيع مراكز البيانات في مناطق باردة بطبيعتها لتقليل الحاجة إلى التبريد الصناعي.

كذلك، تسعى بعض شركات التكنولوجيا الرائدة إلى تصميم بنية تحتية أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، بالإضافة إلى تعويض انبعاثاتها من خلال الاستثمار في مشروعات الكربون أو الطاقة النظيفة. غير أن هذه المبادرات لا تزال محدودة النطاق، ولا تكفي لمواجهة التحدي العالمي المتمثل في الزيادة المتسارعة للطلب على الذكاء الاصطناعي.

المفارقة المؤلمة أن الذكاء الاصطناعي، الذي يُطرح كأداة مساعدة في التنبؤ بالكوارث البيئية وتقديم حلول ذكية لمشكلات المناخ، قد يتحول بنفسه إلى أحد أهم أسباب تسارع التغير المناخي. وهذا يدفع إلى ضرورة إعادة التفكير في آليات تطوير الذكاء الاصطناعي وطرق استهلاكه للطاقة، وكذلك أهمية دمج التقييم البيئي في كل مرحلة من مراحل إنتاجه واستخدامه.

على المستوى الفردي، يمكن للمستخدمين أيضاً لعب دور في خفض هذه الانبعاثات من خلال الاستخدام الواعي لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتفضيل الأدوات التي تعتمد على مراكز بيانات مستدامة أو تقدم تقارير شفافة حول استهلاكها للطاقة. أما على المستوى الدولي، فيبقى التنسيق بين الجهات التنظيمية، وصناعة التكنولوجيا، والمؤسسات البيئية أمراً ضرورياً لوضع معايير تضمن نمو الذكاء الاصطناعي دون الإضرار بالكوكب.

في نهاية المطاف، يبدو واضحاً أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد قضية تقنية أو اقتصادية، بل أصبح شأناً بيئياً بامتياز. وإذا لم تُتخذ خطوات جادة لمعالجة آثاره المناخية، فقد نجد أنفسنا في المستقبل أمام معضلة أخلاقية وتكنولوجية خطيرة: هل نواصل تطوير الذكاء الاصطناعي على حساب البيئة؟ أم نعيد توجيه هذا التقدم ليخدم الإنسان والطبيعة معًا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد شكل العالم في العقود القادمة.

* باحث ومختص في تقنيات الذكاء الاصطناعي

دلالات

شارك برأيك

هل تدفع الأرض ثمن الذكاء الاصطناعي؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.