فلسطين

الخميس 19 يونيو 2025 9:32 صباحًا - بتوقيت القدس

ساعات حاسمة ..هل تنخرط واشنطن بحربٍ مدمرة؟

خـاص بـ"القدس" و"القدس" دوت كوم

د. حسين الديك: أهداف الحرب تتجاوز إسقاط النظام الإيراني وإنهاء برنامجه النووي إلى إعادة رسم خارطة المنطقة وتجاوز "سايكس بيكو"

د. سنية الحسيني: مزاعم الغرب بأن دعمه العسكري والاستخباري لإسرائيل "دفاعي بحت" لا تعكس الحقيقة

د. سهيل دياب: انخراط أمريكا في الحرب له تبعاته كونه يتعارض مع شعار ترمب الانتخابي القائم على "عدم التورط في الحروب الدولية"

د. تمارا حداد: ترمب يفضل الضغط الحاسم عسكرياً واقتصادياً على إيران بدلاً من خوض حرب طويلة

د. رائد الدبعي: واشنطن في قلب الحرب على إيران بشكل غير معلن وسط دعم شامل عسكرياً واستخبارياً وسياسياً لإسرائيل

د. نادية صبرة: شن إيران هجمات كبرى على أهداف إسرائيلية أو على المصالح الأمريكية بالمنطقة قد يجبر ترمب على التدخل المباشر

تحتدم المواجهة بين إسرائيل وإيران وسط توقعات بتدخل أمريكي مباشر قد يقود إلى مزيد من التدهور والاشتعال في المنطقة، لكن تبرز تساؤلات حول مدى استعداد الولايات المتحدة لتجاوز دورها الداعم لوجستياً واستخبارياً إلى مشاركة عسكرية فعلية، على وقع الضغوط الإسرائيلية على إدارة ترمب للتدخل العسكري المباشر.

ويقول كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات، في أحاديث منفصلة مع "ے"، إن الولايات المتحدة تقف أمام قرار مصيري: البقاء عند حدود الدعم العسكري والاستخباري التقليدي لإسرائيل، أو خوض غمار حرب مباشرة ضد إيران قد تغير خريطة المنطقة بأكملها.

ويرى الكتاب والمحللون والمختصون أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن واشنطن قد تجاوزت بالفعل مرحلة الدعم غير المباشر، حيث تشارك بشكل فعلي في العمليات العسكرية عبر تزويد إسرائيل بأحدث الأسلحة، وتوفير التغطية الاستخبارية الشاملة، ونشر أنظمة دفاع صاروخية متطورة، لكن السؤال الأكبر يبقى: هل ستتخذ الخطوة الأكثر خطورة بالتدخل المباشر ضد المنشآت النووية الإيرانية؟

وأضافوا: تتضارب التقديرات حول نوايا الإدارة الأمريكية، بين الرغبة في إنهاء البرنامج النووي الإيراني مرة واحدة وإلى الأبد، والخوف من الانزلاق إلى حرب شاملة قد تفتح جبهات متعددة في المنطقة.


انخراط أمريكا في المواجهة مع إيران مسألة حتمية

يقول الكاتب والمحلل السياسي والمختص بالعلاقات الدولية والشأن الأمريكي د. حسين الديك أن انخراط الولايات المتحدة في المواجهة العسكرية مع إيران بات مسألة حتمية في ظل تطورات المواجهة الجارية، خاصة إذا لم يتم إعادة الأوضاع إلى الخيار الدبلوماسي، مشيراً إلى أن واشنطن كانت حاضرة منذ بداية الحرب، ليس فقط عبر الدعم اللوجستي لإسرائيل وإسقاط الصواريخ والطائرات المسيّرة عبر قواعدها المنتشرة في الشرق الأوسط، بل وأيضاً عبر توفير التسهيلات المعلوماتية والتنسيق العسكري المستمر مع الجيش الإسرائيلي.

ويرى الديك أن المسألة الحاسمة تكمن في الدخول العسكري المباشر للولايات المتحدة في الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية المحصنة تحت الأرض، وهي منشآت يصعب على إسرائيل وحدها تدميرها دون الدعم الأمريكي العسكري المباشر، خصوصاً في ظل الحاجة إلى قدرات تدميرية دقيقة لا تمتلكها سوى الولايات المتحدة.

ويشير الديك إلى أن القرار بات اليوم قراراً غربياً مشتركاً بين واشنطن ولندن، وليس إسرائيلياً صرفاً كما يحاول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تصويره، مشيراً إلى أن تحرك البوارج الأمريكية والبريطانية باتجاه منطقة الشرق الأوسط يعكس حجم التنسيق الغربي المسبق، وجدية الاستعدادات للحرب الشاملة ضد إيران.


إعادة صياغة بنية الشرق الأوسط

لكن أهداف هذه الحرب، وفقاً للديك، تتجاوز إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي، بل تمتد إلى إعادة رسم خارطة المنطقة برمتها وفق رؤية أمريكية بريطانية جديدة، تتجاوز اتفاقية "سايكس بيكو" التي لم تعد تتلاءم مع المصالح الاستراتيجية للغرب في العصر الحديث. 

ويرى الديك أن الحديث يدور عن مشروع أوسع يهدف إلى إعادة صياغة بنية الشرق الأوسط كما سبق وأن تحدثت عنه وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس ورئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق شمعون بيرس في مشاريع "الشرق الأوسط الجديد".

ويحذر الديك من أن هذا التصعيد العسكري قد يفتح الأبواب على مواجهة مفتوحة غير واضحة المعالم، خاصة مع توقع قيام إيران بالرد عبر مهاجمة القواعد الأمريكية في الخليج العربي وربما التهديد بإغلاق مضيق هرمز، ما سينعكس مباشرة على أمن الطاقة والتجارة الدولية.


العوامل الحاسمة في مسار الحرب

ويرى الديك أن من العوامل الحاسمة في مسار الحرب هي قدرة النظام الإيراني والحرس الثوري الإيراني على الصمود والمواجهة الطويلة، فإيران تمتلك مساحة جغرافية شاسعة تقدر بـ1.6 مليون كيلومتر مربع، وكثافة سكانية تتجاوز 90 مليون نسمة، ما يعقد من قدرة أي هجوم خارجي على تحقيق أهداف سريعة أو حاسمة.

ويلفت الديك إلى أن إسرائيل، ومنذ العام 1973، لم تخض حرباً تقليدية مباشرة أمام جيش نظامي، وإنما انحصرت معاركها في مواجهات مع حركات مقاومة، وهو ما يجعل هذه الحرب مختلفة تماماً من حيث التعقيد والمخاطر. 

ويؤكد الديك أن الدور الإسرائيلي في هذه الحرب ينطلق من وظيفته كأداة تخدم المصالح الإمبريالية الأمريكية والبريطانية في الشرق الأوسط، بينما يبقى الهدف الحقيقي والأعمق هو إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة بشكل يخدم تلك المصالح الغربية على المدى البعيد.


تواطؤ أمريكي وغربي واضح مع إسرائيل

بدورها، تقول أستاذة العلوم السياسية والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية د. سنية الحسيني إن موقف الولايات المتحدة والقوى الغربية الكبرى تجاه الهجوم الإسرائيلي الأخير على إيران يكشف عن الحجم الكبير للتواطؤ الواضح مع إسرائيل، إذ لم تُدن واشنطن ولا حلفاؤها الغربيون الهجوم الذي شنته إسرائيل الجمعة الماضية، بل دعموه تحت ذريعة "الدفاع عن النفس"، رغم أن إسرائيل هي التي بدأت بالهجوم على دولة تبعد عنها أكثر من 2300 كيلومتر.

وتشدد الحسيني على أن المزاعم الغربية بأن دعمها العسكري والاستخباري لإسرائيل "دفاعي بحت" لا يعكس الحقيقة، حيث أن الأسلحة الهجومية المستخدمة في الضربات الإسرائيلية مصدرها دول غربية، فضلاً عن التنسيق الاستخباري الوثيق معها. 

وتشير الحسيني إلى أن مشاركة الدول الغربية في اعتراض الصواريخ الإيرانية التي أُطلقت رداً على العدوان الإسرائيلي يشكل تدخلاً مباشراً في المعركة إلى جانب إسرائيل، مشددة على أن قيام طائرات أمريكية للتزود بالوقود بدعم الطائرات الحربية الإسرائيلية أثناء تنفيذ الهجمات دليل إضافي على عمق هذا التورط الغربي.

وتوضح الحسيني أن هذا الدعم لا يعني أن الولايات المتحدة تسعى بالضرورة إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، إذ تواصل واشنطن مقاومة التصعيد الشامل، فحتى في عهد ترمب الذي انسحب من الاتفاق النووي الإيراني، سعت الإدارة الأمريكية لمحاولة العودة إلى طاولة الحوار، وهو ما عارضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بشدة. 


العمل العسكري ضد إيران يراود نتنياهو منذ عقود

وتوضح الحسيني أن نتنياهو منذ التسعينيات يدفع باتجاه عمل عسكري ضد إيران، معتبراً أن الهدف لا يقتصر على تعطيل برنامجها النووي، بل يمتد إلى محاولة إسقاط النظام الإيراني برمته.

وتشير الحسيني إلى أن التوقيت الإسرائيلي للهجوم استهدف إفشال الجولة السادسة من المحادثات النووية التي سبقتها مؤشرات مرونة من الجانب الإيراني خلال الجولة الخامسة. وترى الحسيني أن ما يطالب به نتنياهو اليوم من تدخل أمريكي شامل لتحقيق "نصر نظيف" على إيران، يعكس تجاهله لمصالح واشنطن الاستراتيجية، التي تحتفظ بوجود عسكري واقتصادي واسع في منطقة حساسة تشهد حضوراً متزايداً لقوى كبرى منافسة كالصين وروسيا.

وتبين الحسيني أن رد الفعل العربي جاء موحداً في إدانة الهجوم، حتى من الدول العربية التي طبعت علاقاتها مع إسرائيل، معتبرة أن الهجوم يمثل انتهاكاً لسيادة دولة مستقلة، مع الدعوة لوقف التصعيد والعودة للحلول السلمية.

وتحذر الحسيني من أن التصعيد الإسرائيلي قد يشعل مواجهة إقليمية ودولية واسعة، تختلف جذرياً عن الحرب على غزة، إذ أن إيران تمتلك تحالفات عالمية مع قوى دولية كبرى، بينما تعتمد إسرائيل بشكل شبه كامل على دعم الغرب وتفوقها العسكري النوعي. 

وترى الحسيني أن إيران رغم الضغوط قادرة على الصمود بفضل مساحتها الجغرافية الكبيرة وعدد سكانها وطبيعة ثقافتها الخاصة، في حين تبقى إسرائيل في موقع هش دون هذا الغطاء الغربي المتواصل.


ذروة التنسيق الأمني والاستخباري

من جانبه، يقول أستاذ العلوم السياسية والمختص في الشأن الإسرائيلي د. سهيل دياب أن الولايات المتحدة منخرطة عملياً في الحرب الدائرة بين إسرائيل وإيران، مشيراً إلى أن مستوى التنسيق الأمني والاستخباري بين الطرفين بلغ ذروته، مع الاستفادة من مراكز الاستعلامات الأمريكية في المنطقة، إضافة إلى العديد من الأمور الخفية غير المعلنة، كما أن الدور الأمريكي لا يقتصر فقط على الشراكة، بل يتجاوزها إلى التوجيه في بعض المراحل.

وبحسب دياب، فإن التساؤل المحوري اليوم يتمحور حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتدخل بعمليات عسكرية مباشرة داخل إيران، ليس فقط دفاعاً عن إسرائيل، بل لتحقيق أهداف أعمق تتعلق بالمشروع النووي الإيراني وربما حتى إسقاط النظام الحاكم في طهران.

ويشير دياب إلى أن طرح هذا السيناريو يعود إلى تقييم إسرائيل لأداء عملياتها العسكرية في الأيام الأولى من العدوان، إذ لم تحقق الضربات الأولية الأهداف المرسومة لقلب النظام الإيراني أو تقويض شعبيته الداخلية، وهو ما يؤدي لتصاعد القلق الأمريكي والإسرائيلي.


إسرائيل كانت تعوّل على الضربات الأولى في إيران

ويوضح دياب أن إسرائيل كانت تعوّل على أن تؤدي الضربات في الساعات الأربع والعشرين الأولى إلى شل القدرات الإيرانية وإحداث حالة من السخط الشعبي ضد النظام الإيراني، ما قد يؤدي إلى إسقاطه، غير أن عدم تحقق هذا السيناريو دفع إسرائيل إلى السعي لتعزيز الدعم الأمريكي المباشر عسكرياً.

وفي سياق متصل، يشير دياب إلى أن هناك تياراً داخل الولايات المتحدة ما زال يرى في العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران حول الملف النووي خياراً قائماً، موضحاً أن هناك توافقاً ضمنياً بين طهران وواشنطن بعدم السماح لإيران بامتلاك سلاح نووي، وهو ما يظل محل نقاش بين الأوساط السياسية الأمريكية.

ويرى دياب أن تصاعد التصريحات الأمريكية مؤخراً يعكس حالة من الصراع الداخلي في الولايات المتحدة بين جناح "الإيباك" المؤيد لإسرائيل وجناح "الماجا" الداعم لترمب، الذي يعارض بشدة الانخراط في الحروب الدولية. 

ويؤكد دياب أن هذا التباين يعزز فرضية أن الخيار الدبلوماسي ما زال مطروحاً رغم ارتفاع مؤشرات التدخل العسكري المباشر، حيث يتوقع دياب أن يكون هذا الخيار له فرص كبيرة.


تبعات خطيرة على مستقبل ترمب السياسي

ويحذر دياب من تداعيات القرار الأمريكي بالانخراط العسكري المباشر، مشيراً إلى أن مثل هذا القرار سيجعل الولايات المتحدة شريكاً كاملاً في العدوان الإسرائيلي على إيران وسيكون له تبعات خطيرة على مستقبل ترمب السياسي، إذ يتعارض مع شعاره الانتخابي القائم على عدم التورط في الحروب الدولية. ويلفت دياب إلى أن التصعيد قد يؤدي إلى خسائر كبيرة في صفوف الجنود الأمريكيين في حال ردت إيران على القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج، وهو ما سيرفع حدة المعارضة الداخلية لمثل هذا القرار.

ويشير دياب إلى أن نحو 53% من الرأي العام الأمريكي يرفضون الانخراط في الحرب مع إيران، وأن كل هذه المعطيات تضع ترمب أمام معادلة معقدة بين التصعيد العسكري أو العودة إلى المسار الدبلوماسي، مع ما يحمله كل خيار من تبعات استراتيجية كبرى على الولايات المتحدة وإسرائيل والمنطقة بأسرها.


حسابات استراتيجية وتوازنات داخلية وخارجية

من جهتها، تؤكد الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالتدخل عسكرياً إلى جانب إسرائيل ضد إيران مرهون بجملة من العوامل المتشابكة والمعقدة، سواء من حيث الحسابات الاستراتيجية أو التوازنات الداخلية والخارجية.

وتوضح حداد أن عقلية ترمب تتسم بالتردد في اتخاذ قرارات قاطعة وحاسمة بمفرده، غير أن الأمر يختلف حين يتعلق بأمن إسرائيل القومي، حيث يظهر التزاماً حاسماً بدعمها. 

وتشير حداد إلى أن ترمب قد يتجه لخيار الحرب إذا ما توفرت عدة شروط متزامنة، في مقدمتها توسيع إيران لهجماتها ضد إسرائيل أو إذا طالت المصالح والقواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط.

وتلفت حداد إلى أن إيران حتى اللحظة لم تقدم على إغلاق مضيق هرمز لأسباب ترتبط بمصالحها الذاتية ومصالح حلفائها مثل الصين.

وتشير حداد إلى أن اتخاذ قرار الحرب من جانب ترمب لن يكون قراراً فردياً خالصاً رغم الصلاحيات الواسعة التي يمتلكها كرئيس، إذ سيحرص على وجود توافق داخلي واسع النطاق يشمل الكونغرس الأمريكي والرأي العام تجنباً لانقسامات داخلية قد تؤثر على الاستقرار السياسي الأمريكي.

وتؤكد حداد أن هناك بعداً أمنياً استخبارياً حاسماً في حسابات ترمب، فإذا توفر لديه معلومات بأن إيران باتت تملك قدرات تهدد أمن إسرائيل بشكل دائم وتهدد القواعد الأمريكية والملاحة الدولية، فإن احتمالات التدخل العسكري تصبح أكثر ترجيحاً.

وتشير حداد إلى نهج ترمب الذي يفضل الضغط العسكري والاقتصادي الحاسم على إيران بدلاً من خوض حروب برية طويلة.


تدخل ترمب وفق ثلاثة سيناريوهات

وفي تحليلها لمسارات تدخل ترمب المحتمل، ذكرت حداد ثلاثة سيناريوهات رئيسية: الأول تدخل عسكري مباشر عبر ضربات جوية وصاروخية تستهدف المنشآت النووية والنفطية والبنية التحتية الحساسة في إيران، مع إمكانية استخدام القواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة، دون التورط بحرب برية طويلة الأمد.

أما السيناريو الثاني، وفق حداد، فهو تقديم دعم لوجستي واستخباري وعسكري مباشر لإسرائيل من خلال تزويدها بأسلحة متطورة وفرض عقوبات اقتصادية جديدة على إيران، وربما فرض حصار بحري لخنق الاقتصاد الإيراني.

وتشير حداد إلى السيناريو الثالث والذي يتعلق بالخيارات الدبلوماسية عبر تقديم مبادرات وساطة إقليمية أو دولية للعودة إلى طاولة المفاوضات ضمن شروط أمريكية مشددة.

وتشير حداد إلى أن استراتيجية ترمب الحالية تسير نحو إجبار إيران على قبول شروط أمريكية صارمة بالاعتماد على ضربات حاسمة وسريعة بدل استنزاف طويل الأمد، خاصة أن إسرائيل لا تحتمل ذلك، لكن طهران قد ترفض أي اتفاق مؤقت إذا شعرت أن واشنطن تسعى عبره لمراوغة تكتيكية من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية لاحقة.

وتلفت حداد إلى أن نتنياهو يسعى عبر هذا التصعيد إلى إعادة رسم هيكلية النظام الإقليمي في الشرق الأوسط بتحييد إيران وإزاحة نظامها الحالي، مستفيداً من التقاطع العميق في الرؤى مع الإدارة الأمريكية.


أمريكا تزود إسرائيل بـ70% من منظومتها العسكرية

ويؤكد رئيس قسم العلوم السياسية بجامعة النجاح الوطنية، د. رائد الدبعي، أن الولايات المتحدة الأمريكية تشارك بشكل فعلي في العدوان الإسرائيلي الجاري ضد إيران، موضحاً أن دعم واشنطن لإسرائيل يتجاوز حدود المساندة التقليدية، ليصل إلى شراكة ميدانية متكاملة، تشمل التسليح والاستخبارات والحماية السياسية.

ويوضح الدبعي أن الولايات المتحدة تزود إسرائيل بنحو 70% من منظومتها العسكرية، بما في ذلك مقاتلات الجيل الخامس F-35 والمقاتلات المتقدمة F-15، بالإضافة إلى مروحيات النقل الثقيلة CH-53K والقنابل الذكية الموجهة JDAM/GBU-39، إلى جانب مختلف أنواع الذخائر المدفعية، ومنظومات الدفاع الجوي مثل "القبة الحديدية" و"مقلاع داود"، كما نشرت واشنطن مؤخراً نظام الدفاع الصاروخي المتطور "ثاد" في إسرائيل لتعزيز قدراتها الدفاعية.


مظلة حماية سياسية في المحافل الدولية

ويشير الدبعي إلى أن الدعم الأمريكي لا يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل يشمل أيضاً مظلة حماية سياسية في المحافل الدولية، خاصة عبر الاستخدام المتكرر لحق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي، والضغوط المتواصلة التي تمارسها واشنطن على حكومات دولية أخرى لتخفيف الانتقادات والعقوبات المحتملة على إسرائيل. 

ويلفت الدبعي إلى أن دبلوماسياً أمريكياً أبلغ خلال جلسة مجلس الأمن بتاريخ 13 حزيران أن واشنطن كانت على علم مسبق بالهجوم الإسرائيلي على إيران ولم تعترض عليه، وهو ما أكدته أيضاً قمة مجموعة السبع في 17 من الشهر ذاته.

ويوضح الدبعي أن التدخل الأمريكي المعلن في المعركة حتى الآن يتركز في توفير دعم دفاعي واستخباري واسع، حيث أعادت واشنطن تموضع حاملة الطائرات "يو إس إس كارل فينسون" في الشرق الأوسط، ونقلت العشرات من طائرات التزويد بالوقود إلى قواعد أوروبية استعداداً لأي تصعيد محتمل، وأرسلت أيضاً مقاتلات F-16 وF-22 وF-35 إلى قواعد في الخليج وشرق المتوسط بهدف التصدي لأي هجمات إيرانية محتملة بالطائرات المسيّرة أو الصواريخ.


60% من الأمريكيين يرفضون الانخراط المباشر في الحرب

ويشير الدبعي إلى رفع الولايات المتحدة الأمريكية الجاهزية في قواعد العديد بقطر والظفرة بالإمارات، بالإضافة إلى تعاون استخباري مكثف مع إسرائيل في مجالات اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة، وفي الوقت ذاته، واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصعيد خطابه ضد إيران، واصفاً برنامجها النووي بـ"الإرهاب النووي"، مطالباً طهران بالاستسلام الفوري والعودة لطاولة المفاوضات وفق شروط إسرائيلية.

ويحذر الدبعي من أن السيناريو الذي قد يدفع الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري المباشر يتمثل في تعرض قواتها بالمنطقة لهجمات إيرانية أو عبر حلفائها في المنطقة مثل الحوثيين أو الحشد الشعبي. 

ويشير الدبعي إلى وجود معارضة داخلية أمريكية واسعة لهذا الخيار، حيث أظهرت استطلاعات "واشنطن بوست" أن 60% من الأمريكيين يرفضون الانخراط المباشر في الحرب، فيما كشف استطلاع مركز "بروكينغز" أن 14% فقط من أعضاء الكونغرس يؤيدون شن حرب شاملة على إيران.

ويبيّن الدبعي أن الكونغرس يشترط حالياً تفويضاً برلمانياً مسبقاً لأي عمل عسكري ضد إيران، وسط تقديرات للبنتاغون بأن أي تدخل جوي واسع النطاق قد يتطلب من 6 إلى 9 أشهر من العمليات المكثفة وبتكلفة تصل إلى 40-50 مليار دولار، مع خطر فتح جبهات بالوكالة ضد القواعد الأمريكية في الخليج والعراق.

ويعتقد الدبعي أن تدخلاً أمريكياً مباشراً قد يستفز قوى دولية مثل باكستان والصين، اللتين تنظران لأي تصعيد عسكري في المنطقة على أنه تهديد مباشر لمصالحهما الجيوسياسية والاقتصادية وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.


انقسام داخل إدارة ترمب ومحيطه الاستشاري

من جانبها، ترى الكاتبة والمحللة السياسية المصرية د. نادية صبرة أن احتمالات تدخل الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الحرب بين إسرائيل وإيران ليس محسوماً حتى اللحظة، رغم الضغوط الإسرائيلية المتواصلة، خاصة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي يسعى لدفع واشنطن إلى الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة ضد طهران.

وتشير صبرة إلى وجود انقسام واضح داخل إدارة ترمب ومحيطه الاستشاري بين من يؤيد التدخل المباشر وبين من يعارض، معتبرة أن قرار الحرب يرتبط بعدة محددات ميدانية واستراتيجية معقدة. 

وتؤكد صبرة أن خيار التدخل الأمريكي يبقى مطروحاً بقوة في حال تحولت المواجهة إلى تهديد وجودي حقيقي لإسرائيل أو تعرضت المصالح الأمريكية الحيوية في المنطقة للاستهداف المباشر من قبل إيران أو حلفائها.

وتلفت صبرة إلى ضرورة عدم الانجرار خلف التصريحات النارية لترمب، موضحة أنه رغم نزعته الشعبوية وحرصه الدائم على إبراز القوة الأمريكية في خطابه السياسي، إلا أنه يدرك جيداً خطورة الانخراط في حروب جديدة.

وتشير صبرة إلى أن ترمب دأب خلال حملاته الانتخابية على التفاخر بأنه أنهى الحروب التي بدأها الآخرون، ما يجعله أكثر ميلاً للتوازن بين دعم إسرائيل من جهة وتجنب الانزلاق في مواجهة عسكرية شاملة قد تكون لها تكلفة سياسية واقتصادية باهظة على الداخل الأمريكي.


إيران تسعى لجعل أي تدخل أمريكي محتمل مكلفاً

وتؤكد صبرة أن إيران تدرك هذا التردد الأمريكي، وتسعى إلى جعل أي تدخل أمريكي محتمل مكلفاً للغاية، سواء على الصعيد العسكري أو الاقتصادي، من خلال قدرتها على توسيع دائرة المواجهة وتعريض حلفاء واشنطن وأمن الخليج للخطر. 

وتحذر صبرة من أن تطور الأمور إلى مستوى قيام إيران بشن هجمات كبرى على أهداف إسرائيلية أو المصالح الأمريكية في المنطقة قد يجبر ترمب على التدخل العسكري، حتى ولو بشكل محدود في البداية.

وتعرض صبرة ثلاثة سيناريوهات محتملة لتدخل ترمب في المواجهة: الأول يتمثل في التدخل غير المباشر، حيث تواصل الولايات المتحدة تزويد إسرائيل بالسلاح النوعي والدعم الاستخباري واللوجستي، مع توسيع دائرة العقوبات الاقتصادية على إيران. 

وتشير صبرة إلى أن هذا السيناريو مطبق جزئياً حالياً، حيث حصلت إسرائيل بالفعل على معلومات استخبارية حساسة تتعلق بالمنشآت النووية الإيرانية ومواقع عسكرية بالغة الأهمية، بينما تواصل واشنطن سياسة الضغط الاقتصادي المشدد على طهران.

وتلفت صبرة إلى السيناريو الثاني وهو توجيه ضربات عسكرية محدودة في حال تصاعدت الهجمات الإيرانية أو دخلت الأذرع العسكرية الموالية لطهران مثل حزب الله والحوثيين على خط المواجهة، وفي هذه الحالة قد يأمر ترمب بتوجيه ضربات جوية دقيقة ضد منشآت عسكرية ونووية إيرانية دون الانجرار لحرب شاملة. 


نتنياهو يحرض أمريكا لاستهداف منشأة "فوردو" النووية

وتشير صبرة إلى أن نتنياهو طالب الإدارة الأمريكية مراراً باستهداف منشأة "فوردو" النووية شديدة التحصين قرب مدينة قم، إلا أن استهداف هذه المنشأة يشكل مقامرة محفوفة بالمخاطر قد تدفع طهران إلى ردود انتقامية عنيفة وغير محسوبة، ما يجعل قرار ضرب "فوردو" مؤجلاً كورقة ضغط في مراحل أكثر حرجاً من المواجهة.

السيناريو الثالث والأكثر خطورة، وفق صبرة، يتمثل في التورط الأمريكي الشامل في حرب مفتوحة حال أقدمت إيران على تصعيد استثنائي مثل إغلاق مضيق هرمز، أو مهاجمة السفن والقواعد والسفارات الأمريكية في المنطقة. 

وتذكر صبرة بتهديدات أطلقها رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني حول إمكانية تعميم المواجهة على كل الإقليم، في حال تورط واشنطن بشكل مباشر.

أما بالنسبة للمآلات المحتملة، ترى صبرة أن اندلاع الحرب سهل، لكن السيطرة على مسارها وتطوراتها سيكون بالغ الصعوبة، فإذا ظلت الحرب ضمن حدود إقليمية محدودة، ستكون كلفتها كارثية على الاقتصاد الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية، أما إذا تحولت إلى حرب شاملة مفتوحة، فقد تعيد رسم خريطة توازنات الشرق الأوسط بشكل كامل، مع دخول أطراف دولية فاعلة كروسيا والصين على الخط بشكل غير مباشر، ما سيؤدي إلى اتساع جبهات الصراع وتعقيد فرص احتوائه أو العودة إلى نقطة الصفر.

دلالات

شارك برأيك

ساعات حاسمة ..هل تنخرط واشنطن بحربٍ مدمرة؟

فلسطيني قبل 12 شهر

نابلس - فلسطين 🇵🇸

اذا تدخل ترمب مباشرة بالحرب بين إيران وإسرائيل فهذا يعني نهايته السياسية بعون الله

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.