د. عقل صلاح: رسالة ضد السلطة وإعلان صريح لحرب شاملة لتصفية القضية وإنهاء أي مظهر من مظاهر السيادة السياسية الفلسطينية
أكرم عطا الله: السكوت عن هذه الخطوة سيسمح لإسرائيل بمواصلة تهميش السلطة وتدمير أي فرصة لإقامة كيان فلسطيني سياسي مستقل
د. رائد أبو بدوية: إسرائيل بحاجة للشعور بخسائر اقتصادية وتجارية وثقافية وعسكرية لإجبارها على إعادة النظر في سياساتها اليمينية
نور عودة: هذا المنع يعكس استراتيجية إسرائيلية لتحدي أية محاولة لتعزيز الكيانية الفلسطينية دبلوماسياً أو تحركات تدعم إقامة الدولة
د. سعد نمر: غياب الإرادة العربية للرد يشجع إسرائيل على الاستمرار ولا بد من تحرك قوي يعيد تأكيد مكانة السلطة الفلسطينية
عريب الرنتاوي: إسرائيل اعتبرت الزيارة تحدياً سافراً لأجندتها اليمينية المتطرفة التي ترفض أي حوار سياسي يدعم إقامة دولة فلسطينية
في خطوة تصعيدية تحمل أبعاداً سياسية خطيرة، منعت إسرائيل وفداً وزارياً عربياً وتركياً من دخول مدينة رام الله، في ما اعتُبر رسالة واضحة تستهدف السلطة الفلسطينية ومكانتها السياسية، وكذلك في محاولة لتقويض أي حراك سياسي يهدف للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويقول كتاب ومحللون سياسيون ومختصون وأساتذة جامعات في أحاديث منفصلة مع "القدس"، إن هذه الخطوة جاءت في وقت تتكثف فيه التحركات الدولية والعربية الداعمة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، مما يعكس قلقاً إسرائيلياً من أي تحرك يعزز الكيانية الفلسطينية.
وينظر الكتاب والمحللون وأساتذة الجامعات والمختصون إلى القرار الإسرائيلي كجزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى كيان خدماتي منزوع الصلاحيات، بالتوازي مع التوسع الاستيطاني ورفض الالتزام بالاتفاقيات الدولية، كما أنه يشكل إهانة دبلوماسية للدول العربية، سواء تلك التي تربطها علاقات رسمية بإسرائيل أو غيرها، ويقوّض الجهود العربية الرامية لحل سياسي شامل.
ويرون أن هذا التطور الخطير يتطلب تحركاً دبلوماسياً عربياً حازماً، يشمل تقديم شكاوى أممية، وفرض ضغوط سياسية واقتصادية، واستدعاء السفراء الإسرائيليين، من أجل لجم السياسات الإسرائيلية التي تسعى لتصفية القضية الفلسطينية بشكل كامل، وإلا فإن إسرائيل سوف تتمادى بأفعالها.
تحجيم دور السلطة الفلسطينية
يؤكد الكاتب والباحث السياسي د. عقل صلاح أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة بشأن منع الوفد الوزاري العربي وتركيا، يمثل رسالة ضد السلطة الفلسطينية وإعلاناً صريحاً لحرب سياسية شاملة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وإنهاء أي مظهر من مظاهر السيادة السياسية الفلسطينية.
ويشير صلاح إلى أن الخطوة الإسرائيلية تهدف إلى تحجيم دور السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية على المستويات الوطنية والإقليمية والدولية.
ويوضح صلاح أن إسرائيل، من خلال هذه الخطوة، تظهر تجاهلاً واضحاً للوفد العربي القادم إلى رام الله وللسلطة الفلسطينية، مؤكداً أنها لا تقيم وزناً للجهود العربية بشأن أي حل لوقف الحرب أو للسيادة الفلسطينية.
ويشير صلاح إلى أن هذه السياسة تأتي لإرضاء اليمين المتطرف والمستوطنين الذين ينظرون إلى الضفة الغربية كجزء لا يتجزأ من "إسرائيل الكبرى"، في محاولة من حكومة بنيامين نتنياهو لفرض السيطرة الكاملة على الضفة وإعلان ضمها، وهي خطوة وصفها بـ"الحرب المباشرة على القضية الفلسطينية".
إجراء إسرائيلي ليس الأول من نوعه
ويؤكد صلاح أن إسرائيل تسعى من خلال هذه الإجراءات إلى تحجيم الدور السياسي والوطني للسلطة الفلسطينية، مشيراً إلى خطوات سابقة مثل منع الطائرات الأردنية من الهبوط في مقر المقاطعة برام الله لنقل الرئيس محمود عباس إلى سوريا قبل أسابيع.
ويعتبر صلاح أن هذه الإجراءات تشير إلى نية إسرائيل إنهاء اتفاقية أوسلو وجميع البنود المتعلقة بعلاقات السلطة الفلسطينية مع الإقليم والعالم، مما يمثل تعدياً صارخاً على القانون الدولي ورفضاً للاعتراف بالكيان الفلسطيني.
ويربط صلاح ما جرى برد إسرائيلي على المواقف الدولية الأخيرة، وخاصة الاعتراف المتزايد بالدولة الفلسطينية.
ويشير صلاح إلى تصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي جاء رداً على تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول الواجب السياسي والأخلاقي لإقامة الدولة الفلسطينية، حيث قلل ساعر من هذا الاعتراف معتبراً أن الدولة الفلسطينية "ستبقى على الورق".
ويؤكد صلاح أن هذه السياسات تأتي ضمن سلسلة خطوات منهجية ضد الضفة الغربية، بدءاً من التوسع الاستيطاني "المتغول" ومصادرة العائدات الضريبية، وصولاً إلى تحويل السلطة الفلسطينية إلى إدارات محلية متفرقة خالية من أي صلاحيات سياسية أو وطنية.
"تعدٍ صارخ" على الدول العربية
ويصف صلاح هذه الخطوات بأنها "تعدٍ صارخ" على الدول العربية التي تقيم علاقات مع إسرائيل وعلى جامعة الدول العربية، فضلاً عن كونها تهديداً للعلاقات الدولية وسيادة الدول العربية.
ويدعو صلاح الدول العربية إلى اتخاذ إجراءات حاسمة، بما في ذلك طرد السفراء الإسرائيليين من الدول التي تربطها علاقات بإسرائيل، ووقف أي خطوات تطبيع جديدة، وطلب عقد جلسة عاجلة في مجلس الأمن لإدانة إسرائيل، كما حث السلطة الفلسطينية على قطع العلاقات مع إسرائيل، والتحرك دولياً عبر رفع جميع الملفات المؤجلة إلى المحكمة الجنائية الدولية وغيرها من الهيئات الدولية.
ويشير صلاح إلى أن الدول العربية، التي لم تتخذ خطوات جادة إزاء حرب الإبادة المستمرة في غزة لأكثر من 600 يوم، وتدمير 85% من القطاع، واستشهاد أكثر من 60,000 فلسطيني، وإصابة أكثر من 150,000 آخرين، "لا يُعوَّل عليها" لاتخاذ مواقف ضاغطة على إسرائيل، داعياً إلى تحرك فلسطيني والسعي نحو سعي عربي موحد لمواجهة هذه التحديات.
تجريد السلطة من أي بعد سياسي أو تمثيلي
من جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن قرار إسرائيل منع وصول الوفد الوزاري العربي إلى رام الله يكشف نواياها الواضحة لتحجيم السلطة الفلسطينية وإنهاء دورها السياسي.
ويوضح عطا الله أن هذه الخطوة تندرج ضمن استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى تقليص دور السلطة إلى مجرد جهاز خدماتي على أن تكون المسؤولية عن الضفة الغربية للإدارة المدنية الإسرائيلية، مع تجريد السلطة من أي بعد سياسي أو تمثيلي على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ويشير عطا الله إلى أن إسرائيل ترفض الاعتراف بالسلطة الفلسطينية ككيان سياسي، معتبرة أن الوفد العربي كان سيعزز مكانتها كجهة سيادية، وهو أمر مرفوض بالنسبة لحكومة إسرائيل.
ويوضح عطا الله أن هناك أصواتاً داخل الحكومة الإسرائيلية ترى أن السلطة "زائدة عن الحاجة"، وتدعو إلى إنهاء وجودها في الضفة الغربية، بهدف إلغاء أي إطار سياسي يمثل الفلسطينيين أو يدعم قضيتهم.
ويؤكد عطا الله أن إسرائيل تريد تحويل السلطة إلى أداة إدارية تابعة لها، تتولى تقديم خدمات دون أي صلاحيات سياسية أو مفاوضات خارجية.
صفعة للدول العربية
وعن تداعيات هذا القرار بمنع الوفد العربي والتركي، يتوقع عطا الله أن يثير غضباً واسعاً في المحيط العربي، خاصة في الدول التي شملها الوفد الوزاري، مثل السعودية.
ويشير عطا الله إلى أن هذا المنع قد يؤدي إلى فتور في العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، خاصة مع وجود علاقة وثيقة بين السعودية والإدارة الأمريكية، إلى جانب تأثير اللوبي السعودي في واشنطن وأماكن أخرى.
ويصف عطا الله هذا القرار بـ"الصفعة" للدول العربية، وخاصة السعودية، محذراً من أن تجاهل هذه الخطوة قد يشجع إسرائيل على مواصلة سياساتها المتغطرسة.
ويدعو عطا الله السلطة الفلسطينية إلى التحرك الفوري من خلال تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة، مؤكداً أن لها الحق كشخصية معنوية في استقبال الوفود الرسمية، وأن منع إسرائيل لهذا الحق يعد انتهاكاً صارخاً.
مطلوب ردود فعل عربية على الإجراء الإسرائيلي
ويحث عطا الله الدول العربية على اتخاذ إجراءات رادعة، مثل استدعاء السفراء الإسرائيليين في دول مثل الأردن، ومصر، والإمارات لجلسات توبيخ واحتجاج، ووقف استقبال أي وفود إسرائيلية رسمية أو غير رسمية حتى يُسمح للوفد الوزاري بزيارة رام الله.
ويؤكد عطا الله أن هذه الخطوات ضرورية لمعاقبة إسرائيل ومنعها من الاستمرار في ممارسة "البلطجة" والتصرف كوصية على السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
ويوضح عطا الله أن إسرائيل، من خلال هذه السياسات، تسعى لفرض سيطرتها الكاملة على الفلسطينيين، محذراً من أن السكوت عن هذه الخطوة سيسمح لإسرائيل بمواصلة تهميش السلطة وتدمير أي فرصة لإقامة كيان فلسطيني سياسي مستقل.
إسرائيل تخشى الزخم الدولي للاعتراف بالدولة الفلسطينية
بدوره، يقول أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية في الجامعة العربية الأمريكية، د. رائد أبو بدوية، إن قرار إسرائيل منع وصول الوفد الوزاري العربي التركي إلى رام الله يعكس تخوفاً إسرائيلياً عميقاً من الزخم الدولي المتزايد للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
ويوضح أبو بدوية أن هذه الخطوة تأتي في سياق حساس للغاية، حيث تسعى إسرائيل لإجهاض أي تحركات تعزز الكيانية الفلسطينية، خاصة في ظل الحراك العربي والأوروبي الداعم لتأسيس الدولة الفلسطينية.
ويشير أبو بدوية إلى أن إسرائيل، في الوضع الطبيعي، كانت لترحب بزيارة وفد يضم وزراء خارجية دول عربية، لا سيما دول مثل السعودية التي لا تربطها علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل، وذلك في إطار سعيها لتعزيز التطبيع.
لكن أبو بدوية يؤكد أن سياق هذه الزيارة، المرتبط بحراك دولي وعربي وأوروبي لدعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، هو السبب الرئيسي وراء قرار المنع.
ويوضح أبو بدوية أن التوقيت الحساس لهذه الزيارة، التي تتزامن مع تحركات دبلوماسية تقودها السعودية وفرنسا في نيويورك منتصف يونيو/ حزيران الجاري، لتعزيز الكيانية الفلسطينية، أثار قلق إسرائيل، التي ترى في هذه الخطوات تهديداً مباشراً لسياساتها.
التحولات الأخيرة في المواقف الأوروبية
ويشير أبو بدوية إلى أن التحولات الأخيرة في المواقف الأوروبية، مثل إصدار بيانات من دول مثل فرنسا وبريطانيا وكندا تدعم الاعتراف بالدولة الفلسطينية، إلى جانب موجة الاعتراف الأولى من دول مثل إسبانيا وغيرها، زادت من مخاوف إسرائيل.
ويلفت أبو بدوية إلى تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التي وصف فيها الاعتراف بالدولة الفلسطينية بأنه "واجب أخلاقي وسياسي"، معتبراً أن هذه الأصوات الأوروبية، إلى جانب التغيرات الديموغرافية والجغرافية التي تفرضها حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف في الضفة الغربية، تبرز التخوف الدولي من الرؤية الإسرائيلية اليمينية، وهو ما دفع الدول العربية والأوروبية إلى تسريع جهود الاعتراف بالدولة الفلسطينية، مما جعل الزيارة العربية إلى رام الله خطوة لتعزيز الشراكة الفلسطينية في هذا الحراك.
ويوضح أبو بدوية أن إسرائيل، من خلال منع الوفد، تسعى لإضعاف السلطة الفلسطينية ومنع تعزيز مكانتها كقيادة سياسية تستقبل وفوداً رسمية من دول عربية وازنة.
ويعتبر أبو بدوية أن هذا المنع يعكس استراتيجية إسرائيلية لضرب الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، خاصة أن الدول العربية نسقت مواقفها بشكل متقن مع الأوروبيين، وبدعم من دول مثل فرنسا، مما يزيد من تأثير هذا الحراك.
ويشير أبو بدوية إلى أن السياسات الأمنية الإسرائيلية، التي أثارت انتقادات دولية، ساهمت في تغيير الموقف الأوروبي، مما جعل موضوع الاعتراف بالدولة الفلسطينية "مزعجاً ومقلقاً" للحكومة الإسرائيلية.
وحول الخطوات المطلوبة، يدعو أبو بدوية إلى تعزيز التنسيق الدبلوماسي الفلسطيني والعربي، خاصة مع الدول الأوروبية، لدفع عملية الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى الأمام.
ظروف مواتية للدبلوماسية الفلسطينية
ويؤكد أبو بدوية على أهمية استغلال العلاقات التجارية وغيرها بين أوروبا وإسرائيل للضغط عليها، مشيراً إلى أن الظروف الحالية مواتية للدبلوماسية الفلسطينية، خاصة مع تغير نبرة الخطاب السياسي في دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا، التي بدأت تطالب بوقف المجازر في غزة وإدخال المساعدات الإنسانية.
ويشير أبو بدوية إلى مناقشات أوروبية حول إعادة النظر في اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، معتبراً أن هذا يوفر فرصة للتحرك الفلسطيني بشكل أعمق مع الاتحاد الأوروبي والدول الغربية.
ويؤكد أبو بدوية أن إسرائيل بحاجة إلى أن تشعر بخسائر اقتصادية وتجارية وثقافية وعسكرية لإجبارها على إعادة النظر في سياساتها اليمينية، بما في ذلك التوسع الاستيطاني وخطط الضم في الضفة الغربية.
ويدعو أبو بدوية الدول العربية إلى لعب دور فعال في التأثير على الدول الأوروبية لزيادة الضغط على إسرائيل، حتى تشعر بتبعات أي إجراءات أحادية الجانب تعيق حل الدولتين.
ويؤكد أبو بدوية أن هذه الظروف تمثل فرصة ذهبية للدبلوماسية الفلسطينية لتعزيز مكانة القضية الفلسطينية دولياً.
إسرائيل تعيش حالة انفلات تام
من جهتها، تقول الكاتبة والمحللة السياسية المتخصصة في الشؤون الدبلوماسية والعلاقات الدولية، نور عودة، إن قرار إسرائيل منع الوفد الوزاري العربي والتركي من زيارة رام الله لم يكن مفاجئاً، بل كان متوقعاً في ظل حالة "الانفلات التام" التي تعيشها إسرائيل.
وتوضح عودة أن هذه الخطوة تعكس رفض إسرائيل الواضح لأي التزام بالقانون الدولي أو احترام الجهود السياسية الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الحرب وإحلال السلام.
وتشير عودة إلى أن إسرائيل، من خلال هذا المنع، ترسل رسالة صريحة بأنها غير معنية بالحوار أو بناء علاقات طبيعية مع محيطها الإقليمي، طالما أنها تشعر بأنها قادرة على مواصلة سياساتها دون محاسبة دولية حقيقية.
وتؤكد عودة أن إسرائيل، التي تواصل ارتكاب "إبادة" بحق الشعب الفلسطيني وتسعى لتهجيره من أرضه، لا ترى حاجة للالتزام بالقوانين الدولية أو الأعراف الدبلوماسية، خاصة في ظل غياب رد فعل قوي من المجتمع الدولي.
وتعتبر عودة أن هذا المنع يعكس استراتيجية إسرائيلية لتحدي أي محاولة لتعزيز الكيانية الفلسطينية، سواء عبر زيارات دبلوماسية أو تحركات سياسية تدعم إقامة الدولة الفلسطينية.
وحول الإجراءات المطلوبة، تدعو عودة إلى تصعيد المطالبة بتطبيق القانون الدولي وفرض عقوبات صارمة على إسرائيل، واصفة إياها بـ"الدولة المارقة".
الاعتراف بالدولة الفلسطيني لا يكفي وحده
وتؤكد عودة أن الاعتراف الدولي بالدولة الفلسطينية، رغم أهميته السياسية، لا يكفي بمفرده، بل يجب أن يترافق مع إجراءات عملية مثل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية. ومن بين هذه الإجراءات، تشير عودة إلى إمكانية منع تجارة الأسلحة مع إسرائيل، وحظر بضائع المستوطنات، وإلغاء أي اتفاقيات تجارية مميزة تمنح إسرائيل امتيازات مع الاتحاد الأوروبي.
وتؤكد عودة أن هذه الخطوات تتماشى مع التزامات الدول الغربية بالقانون الدولي، مشددة على ضرورة استمرار الضغط الدولي لإجبار إسرائيل على تغيير سياساتها.
وتوضح عودة أن الدول الغربية، رغم تصريحاتها الداعمة للقضية الفلسطينية، يجب أن تُترجم هذه التصريحات إلى أفعال ملموسة.
وتحذر عودة من أن إسرائيل لن تتوقف عن سياساتها العدائية، بما في ذلك الإبادة والتهجير، ما لم تدفع ثمناً سياسياً واقتصادياً باهظاً على مستوى العالم.
وتدعو عودة إلى تحرك دبلوماسي منسق يضم الدول العربية والغربية لمحاصرة إسرائيل وإجبارها على الامتثال للقانون الدولي، مؤكدة أن هذا هو السبيل الوحيد لتغيير سلوكها تجاه الشعب الفلسطيني ومحيطها الإقليمي.
إهانة دبلوماسية للدول العربية
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت، د. سعد نمر، يقول إن قرار إسرائيل منع الوفد الوزاري العربي، الذي يضم وزراء خارجية دول عربية ووزير خارجية تركيا، من زيارة رام الله يحمل رسائل واضحة تهدف إلى تحجيم السلطة الوطنية الفلسطينية وتقليص دورها السياسي.
ويوضح نمر أن هذه الخطوة تمثل إهانة دبلوماسية للدول العربية، بما فيها الدول المطبعة مع إسرائيل، وانتهاكاً للأعراف الدبلوماسية الدولية.
ويشير نمر إلى أن هذا المنع رسالة موجهة إلى السلطة الفلسطينية، حيث تسعى إسرائيل إلى نفي أي صفة سياسية لها، معتبرة إياها مجرد جهاز خدماتي يخضع لسيطرتها عبر الإدارة المدنية الإسرائيلية.
ويؤكد نمر أن إسرائيل، من خلال هذا القرار، تحرم الفلسطينيين من حقهم في استقبال وفود رسمية أو وزراء خارجية دول أخرى في رام الله، وهو ما يعكس محاولتها لإلغاء أي دور سياسي للسلطة في المنطقة.
ويشير نمر إلى أن هناك رسالة أخرى موجهة إلى الدول العربية، بما فيها تلك التي تربطها علاقات تطبيع مع إسرائيل، مثل مصر والأردن والإمارات، إضافة إلى دول مثل السعودية وقطر اللتين لا تربطهما علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.
رفض إسرائيلي لأي مخرجات تدعم إقامة دولة فلسطينية
ويوضح نمر أن إسرائيل، بمنع هذا الوفد، تسعى لإيصال رسالة أيضاً بأنها ترفض أي نقاش حول إقامة دولة فلسطينية أو أي حوار سياسي مستقبلي يتعلق بالقضية الفلسطينية.
ويرى نمر أن هذه الخطوة ليست مجرد إهانة، بل تمثل خرقاً للقوانين والأعراف الدبلوماسية، خاصة أن الوفد كان يهدف إلى التحضير لمؤتمر دولي تقوده فرنسا والسعودية في يونيو/ حزيران الجاري، لبحث تعزيز الكيانية الفلسطينية.
ويعتبر نمر أن إسرائيل، من خلال هذا المنع، تعلن رفضها لأي مخرجات سياسية تدعم إقامة دولة فلسطينية أو تعزز الدور السياسي للمنطقة في هذا السياق.
ويشير نمر إلى أن هذا القرار يعكس استراتيجية إسرائيلية لفرض رؤيتها السياسية، التي تهدف إلى إنهاء أي إمكانية للحل السياسي القائم على إقامة دولة فلسطينية.
وحول الإجراءات المطلوبة، يدعو نمر الدول العربية، وخاصة السعودية التي تتمتع بثقل إقليمي كبير، إلى اتخاذ خطوات حاسمة للرد على هذه الإهانة.
مطلوب ردود فعل عربية على الخطوة الإسرائيلية
ويؤكد نمر أن السعودية، بفضل علاقاتها الوثيقة مع الولايات المتحدة، يمكنها استغلال هذه العلاقة والاستثمارات الضخمة الموعودة للضغط على إسرائيل.
ويشير نمر إلى أن دولاً مثل قطر والإمارات تمتلك أيضاً أدوات اقتصادية وسياسية للرد، مشدداً على أن هذه الإهانة تتطلب تحركاً جماعياً من الدول العربية.
ويرى نمر أن تقوم الدول التي تربطها اتفاقات مع إسرائيل، مثل مصر والأردن، بسحب سفرائها أو استدعاء السفراء الإسرائيليين للتعبير عن الاحتجاج، معتبراً أن هذا أقل ما يمكن فعله للرد على "عربدة إسرائيلية" تهدف إلى تقويض استقرار المنطقة.
-
ويشير نمر إلى أن غياب الإرادة العربية للرد على هذه العنجهية الإسرائيلية يشجع إسرائيل على الاستمرار في سياساتها، داعياً إلى تحرك دبلوماسي قوي يعيد تأكيد مكانة السلطة الفلسطينية ويواجه التحديات الإسرائيلية التي تهدف إلى إجهاض أي حوار سياسي حول القضية الفلسطينية.
خطوة تكشف التوجهات الاستراتيجية لإسرائيل في الضفة
من جهته، يصف مدير مركز القدس للدراسات السياسية، عريب الرنتاوي، قرار حكومة بنيامين نتنياهو منع الوفد الوزاري العربي التركي من دخول رام الله بأنه يتسم بالغطرسة والاستعلاء، ويعكس استهتاراً واضحاً بالمنظومة العربية.
ويؤكد الرنتاوي أن إسرائيل لم ترَ في هذه الزيارة فرصة للتطبيع، كما اعتقد البعض، بل اعتبرتها تحدياً سافراً لأجندتها اليمينية المتطرفة، التي ترفض أي حوار سياسي يدعم إقامة دولة فلسطينية أو حل الدولتين.
ويوضح الرنتاوي أن منع هذه الزيارة، التي تأتي في سياق التحضيرات لمؤتمر نيويورك المقرر في 17 يونيو 2025، يكشف التوجهات الاستراتيجية لإسرائيل في الضفة الغربية، حيث تتصدر أولوياتها مشاريع الإبادة، والتطهير العرقي، والضم، والتهجير.
ويشير الرنتاوي إلى أن إسرائيل استبقت زيارة الوفد بقرار غير مسبوق بإنشاء 22 مستوطنة وبؤرة استيطانية جديدة، حيث تسعى لابتلاع الأراضي الفلسطينية، وترويع الشعب، وتقويض النظام السياسي الفلسطيني.
تجفيف مصادر تمويل السلطة
ويشير الرنتاوي إلى أن هذه السياسات بحق النظام السياسي الفلسطيني تشمل تجفيف مصادر تمويل السلطة الفلسطينية عبر مصادرة أموال المقاصة، ومنعها من ممارسة أي دور سيادي، حتى لو كان شكلياً، في رام الله، فضلاً عن عمليات الإذلال المتعمدة التي تستهدف قيادات السلطة.
ويؤكد الرنتاوي أن الزيارة "المُجهضة" كانت تهدف إلى تدعيم مكانة السلطة الفلسطينية المتآكلة، منع انهيارها، وحشد الدعم الدولي لحل الدولتين والاعتراف بدولة فلسطينية، وهي أهداف تصطدم مباشرة مع جدول أعمال حكومة اليمين الإسرائيلي.
ويشير الرنتاوي إلى أن إسرائيل لا ترى في التطبيع أولوية حالية، بل تركز على تعزيز سيطرتها على الضفة الغربية وتقطيع أوصالها عبر مشاريع مثل "روابط المدن" و"الأسرلة والتهويد" في القدس، مع منع السلطة من الوصول إلى غزة.
ويرى الرنتاوي أن هذه الخطوة تؤكد رفض إسرائيل لأي حراك دولي أو عربي يهدف إلى دعم الاعتراف بدولة فلسطينية، مستشهداً بتصريح وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر، الذي قلل من الاعتراف بالدولة الفلسطينية واصفاً إياه بـ"على الورق"، بينما تستمر إسرائيل في فرض "دولة اليهود" على الأرض.
تسليح الدبلوماسية العربية بإجراءات قوية
ويؤكد الرنتاوي أن هذه السياسات تهدف إلى تقويض أي إمكانية لتحويل السلطة إلى دولة مستقلة، مع استمرار إسرائيل في استراتيجيتها التوسعية.
ويدعو الرنتاوي الدول العربية إلى "تسليح دبلوماسيتها" بإجراءات قوية لمواجهة هذا التحدي، محذراً من أن الحراك الدبلوماسي العربي والدولي، رغم أهميته في عزل إسرائيل ونزع شرعية احتلالها، لن يغير الواقع على الأرض ما لم يترافق مع ضغوط ملموسة.
ويؤكد الرنتاوي أن هذه الجهود، على المدى البعيد، تصب في مصلحة الفلسطينيين، لكنه يحذر من المبالغة في تقدير تأثيرها دون إجراءات عملية.
ويشدد الرنتاوي على ضرورة مواجهة السياسات الإسرائيلية بتحرك دبلوماسي قوي يعيد تأكيد مكانة السلطة ويدعم طموحات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة.





شارك برأيك
منع دخول الوفد العربي.. صفعة دبلوماسية إسرائيلية متعددة الأبعاد