أقلام وأراء

الإثنين 12 مايو 2025 9:33 صباحًا - بتوقيت القدس

الإدارة على مفترق طرق.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دور القادة والمؤسسات؟

في عصر الذكاء الاصطناعي، الإدارة لم تعد مجرد وظيفة تنظيمية أو إشرافية، بل دخلت مرحلة إعادة تعريف وجودي، لم يعد السؤال عن كيفية اتخاذ القرار، بل عن جدوى وجود الإنسان نفسه كصانع قرار في عالم تتحكم فيه الخوارزميات، وتحلل البيانات أسرع مما يلتقط العقل البشري أنفاسه (Brynjolfsson & McAfee, 2017).

إن التحول الرقمي العميق يعيد تشكيل العلاقة بين الإدارة، التكنولوجيا، والغرض المؤسسي، بل ويضع المديرين أمام مفترق طرق حاسم: إما قيادة التغيير أو الانقراض الوظيفي، لكن في فلسطين، حيث الاقتصاد محاصر، والبنية التحتية مقيدة، والتعليم التقني محدود، والسوق رهينة اتفاقيات سياسية، يبرز سؤال أكبر:

كيف يمكن للمدير الفلسطيني أن يقود تحولًا رقميًا، بينما لا يملك حرية الوصول إلى الإنترنت عالي السرعة أو برامج الذكاء الاصطناعي المحظورة بفعل الاحتلال؟

عالميًا، تتحول الإدارة إلى شراكة مع الآلة، في قطاعات مثل المالية، الصحة، التصنيع، تتخذ الخوارزميات قرارات أسرع، أدق، وأقل تحيزًا من البشر (Porter & Heppelmann, 2019)، لكن في فلسطين، الآلة لم تصل بعد؛ أو وصلت بشكل جزئي، ومشوّه، ومقيد بتصاريح الاحتلال، أو محاصر بمنع توريد التكنولوجيا المتقدمة، فنحن نريد بناء أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل بيانات الأسواق المحلية، لكن لا نستطيع شراء الخوادم المتقدمة أو الوصول إلى بعض البرمجيات بسبب القيود… حتى خدمات "كلاود" عالمية محظورة أو ضعيفة.

هنا، يتحول الذكاء الاصطناعي من شريك محتمل إلى حلم بعيد المنال، ويجد المدير الفلسطيني نفسه في معركة مزدوجة: تحدي التكنولوجيا وتحدي الاحتلال.

في المؤسسات الفلسطينية، الإدارة اليومية ما تزال أسيرة إدارة الأزمة لا إدارة الاستراتيجية، كثير من المديرين يقضون وقتهم في حل مشاكل الكهرباء، انقطاع الإنترنت، أو التعامل مع إغلاقات الطرق، بينما تترك الاستراتيجيات الكبرى جانباً هنا تظهر مفارقة فلسطينية مؤلمة: المدير الذي يُطلب منه التحول الرقمي، بينما يعيش في بيئة تناظرية قسرية مفروضة سياسيًا وتقنيًا.

المدير في عصر الذكاء الاصطناعي لن يربح المنافسة عبر الكفاءة فقط، بل عبر القدرة على إعادة تعريف الغرض المؤسسي (Cath, 2018)  فالآلة تعرف كيف، لكنها لا تعرف لماذا، في السياق الفلسطيني، هذا الغرض ليس تجاريًا بحتًا، بل مرتبط بالصمود، البقاء، الهوية، الاقتصاد المقاوم، وخلق فرص عمل في بيئة مقموعة سياسيًا، هذا يعني أن دور المدير الفلسطيني هو قيادة مؤسسة تعيش فوق خط النار، تقاوم بالجودة كما تقاوم بالوجود، الذكاء الاصطناعي هنا ليس رفاهية تقنية، بل أداة بقاء ومواجهة.

الذكاء الاصطناعي يحتاج رأس مال بشري قادرًا على استخدامه وتطويره، لكن في فلسطين، التعليم التكنولوجي يعاني نقص التمويل، ضعف المناهج، وهجرة الكفاءات، فالخريج الفلسطيني يتخرج مبرمجًا لكنه لا يرى بيئة عمل حاضنة في الداخل… فيغادر إلى الخليج أو أوروبا، لذلك بدون بناء قاعدة معرفية داخلية، يبقى الحديث عن إدارة الذكاء الاصطناعي مجرد شعار فاقد العمق، لان المدير الفلسطيني سيجد نفسه يشتري برامج جاهزة من الخارج، أو يعتمد على حلول غير مصممة لسياقه الخاص.

رغم الصورة القاتمة، يرى البعض في فلسطين فرصة في الذكاء الاصطناعي لتجاوز الحصار الجغرافي والسياسي، مشاريع ناشئة بدأت تستخدم تحليل البيانات للتسويق المحلي، الذكاء الاصطناعي في الزراعة الدقيقة، أو حلول تقنية لتجاوز القيود اللوجستية، بعض المبادرات تفتح أفقًا جديدًا لدور المدير الفلسطيني: ليس كمتلقي للتكنولوجيا، بل كصانع حلول إبداعية من رحم المعاناة.

المدير الفلسطيني في عام 2030 لن يكون مجرد مدير تقليدي أو مستخدم للآلة… بل قائد مقاوم يقود بالمعنى قبل الكفاءة، وبالرسالة قبل الربح، سيكون مطالبًا بأن يوجه التكنولوجيا لصالح البقاء، الهوية، الاقتصاد المحلي، والتعليم، لا مجرد أداة ربحية عابرة، فالذكاء الاصطناعي في فلسطين لن يكون بديلًا عن الإنسان… بل شريكًا في معركة البقاء.

عالميًا، الإدارة على مفترق طرق بين الإنسان والآلة، لكن في فلسطين، الإدارة على مفترق أكثر تعقيدًا: بين الاحتلال والتحرر، بين القيد والابتكار، بين غياب الإمكانيات وطموح الريادة، الذكاء الاصطناعي قد يعيد تشكيل الإدارة عالميًا… لكن في فلسطين، هو أداة مقاومة تقنية تحتاج إلى رؤية، قيادة، وإرادة سياسية.

هنا، لن تكون الإدارة مجرد مهنة، بل موقف، رسالة، وصراع يومي لإثبات الوجود، باستخدام التقنية كسلاح في معركة طويلة الأمد.

دلالات

شارك برأيك

الإدارة على مفترق طرق.. كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل دور القادة والمؤسسات؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.