على عتبات كل عامٍ جديد، دأبت المؤسسات والشركات في العالم على القيام بجردة حسابٍ للعام المنصرم، ترصد فيها المكاسب والمخاسر، الفرص والمخاطر، المثالب والمحامد، الإنجازات والإخفاقات، الانتصارات والانكسارات، ما تحقّقَ من أهداف، وما تعثّرَ من برامج وسياساتٍ تتطلب إجراء المراجعات لتعظيم المكاسب وتقليل المخاطر.
مع مطلع شمس هذا اليوم، تُكمل الإبادة المستعِرة في غزة يومها الخمسين بعد الأربعمئة، وهي أيامٌ يُعدّ الواحد منها بألف يومٍ لمن يكابدون نارها، وجوعها، وعطشها، وبردها، وأمراضها، وخوفها، وإرعابها.
من وسط المجمرة، تشتعل أسئلةٌ حارقة، نحاول الإجابة عنها بهدوء، بعيداً عن صخب الشعارات، والتنابز بالاتهامات، وتحميل المسؤوليات.
س: هل توقّع صانع الطوفان أن ينزل بغزة ما نزل من تقتيلٍ وتدمير؟
ج: بالتأكيد لا.
س: لو عادت الأيام، وقُدّر لصاحب القرار أن يُبعث من جديد، ليرى ما رأى من أهوال، فهل كان سيتخذ القرار ذاته؟
ج: أيضاً لا.
س : ما الذي كان يدور في خلد من اتخذ قرار الطوفان؟
ج: كان يفكر بإعادة إنتاج عملية اختطاف جلعاد شاليط من أجل المساومة للإفراج عن الأسرى، خاصة أسرى المؤبدات، وهو الأكثر إحساساً بمعاناتهم، والتزاماً بوعده لهم، فأراد أن يُبادر إلى عمليةٍ محدودةٍ للإفراج عنهم.
س: ما العمل الآن، بعد أن سقطت جميع الرهانات، وخابت التوقعات، وانقلبت السيناريوهات، وأصبحت غزة أرضاً يباباً بلقعاً، يموت فيها الناس بالمئات، صباح مساء، قتلاً وجوعاً وبرداً؟
ج: مطلوبٌ تصليب جدار الوحدة الوطنية، وإجراء مراجعاتٍ للمحاور والرهانات والسياسات، وقراءة متأنية وواقعية للمواقف العالمية والعربية والإسلامية، لوقف نزف المزيد من الدماء.
س: هل من الحكمة استنساخ تجربة غزة، بكل ما شابها من أخطاء في الحسابات والرهانات، وتوفير الذرائع للعدو لتكرارها في الضفة؟
ج: بالتأكيد لا.
س: لكن العدو لا يحتاج إلى ذرائع ليُعيد المقتلة في الضفة، كما فعل في غزة؟
ج: بالتأكيد، ولكنّ ثمة فرقاً بين أن تأتيه الذرائع على شوق ليحصل على رخصةٍ دوليةٍ للقتل والإبادة، وبين أن لا يحصل على تلك الرخصة، من خلال عدم منحه الذريعة.
س: هل تعني أن يتوقف الشعب الخاضع للاحتلال عن المقاومة؟
ج: بالتأكيد لا، فالمقاومة حقّ كفلته القوانين الدولية للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، وهي وسيلةٌ وليست غاية، وللشعوب أن تختار الوسيلة الأقل كلفةً عليها، والأكثر كلفةً على عدوها ومحتل أرضها، وأن لا تلعب في ملعبه، بل تجلبه إلى ساحتها. فنحن ضحايا، وعلينا أن نتجنب الأدوات التي يستخدمها الاحتلال لرفع الغطاء عنا، وإلغاء وجودنا على أرضنا، وهناك تجارب لشعوب العالم، ومنها تجربتنا الفريدة (الانتفاضة)، التي أصبحت لغةً عالمية، والتي خاضها شعبنا بكل فئاته عام 1987، وكانت لها قيادة وطنية موحدة، تختار أدواتها وأنشطتها وبياناتها وسردياتها التي حاصرت المحتلين في ملعبهم، وغلّت أيديهم عن استخدام القوة الغاشمة، كما تفعل منذ عامٍ وشهرين في قطاع غزة.
س: ما نوع السلاح الذي تريد للضحية أن تستخدمه اليوم؟
ج: سلاح الحياة، فهو أقوى من أيّ سلاح، في مواجهة عدوّ بلغ سقف الجنون في قتلنا، وإلغاء وجودنا على أرضنا، وتدمير مقدراتنا، وإعدام أطفالنا ونسائنا، وإهلاك الحرث والنسل، دون وجود أيّ رادعٍ له، عدوّ لا تحكمه قوانين دولية، ولا أخلاق أو شرائع إنسانية، ويحظى للأسف الشديد برخصةٍ دولية، وبصمتٍ من الدول العربية والإسلامية ليمارس الإبادة الجماعية.
أوقِفوا الإبادة الآن...!





شارك برأيك
بهدوء.. أسئلة وأجوبة!