عُرف عمرُه، ولم يُعرف اسمُه، كان يمشي متعباً، يسيح العرق على كامل جسده، وهو يُكابد عطشه وجوعه في صهد الصيف، ويحمل أثقالاً ينوء بها جسده الغضّ.
لم يكن ابن السادسة عشرة يعرف ما الذي يتربص به، وهو يقترب رويداً رويداً من الحاجز الذي سبقه إليه والداه، اللذان كانا بانتظاره بعد أن أتمّا إجراءات التفتيش الـمُذلة من قِبل جنودٍ تتملّكهم نوازع الانتقام، وتستبدّ بهم شهوة القتل.
لاحت أمام عينيه المتعبتين ملامح القتلة، طرقت أسماعه ضحكاتهم وسخريتهم، وهم يتقافزون خلف السواتر الرملية، استعداداً للانقضاض على الضحية.
توجّس الأب المنتظر لفلذة كبده وحشاشة روحه خيفةً من تحركات الوحوش الكاسرة، فأطلق صرخةً لتحذيرهم بأنه ابنه الذي ينتظر وصوله، قبل أن يُعاجلوا الفتى بوابلٍ من الرصاص، بينما أُجبر الوالدان المفجوعان بآلام الفقد والحسرة على مغادرة المكان بسرعة، دون السماح لهما بالتقدم أمتاراً لانتشال جثته المضرجة بالدماء، لتُترك في العراء تنهشها الكلاب.. ياااا الله!
تلكم هي صورةٌ قلمية، تُعوّض الصورة الحركية للحوار المتخيل الذي جرى بين الضحايا والقتلة، على محور نتساريم، أو ما أُطلق عليه "خط الجثث"، من وحي إفاداتٍ أدلى بها الجُناة الذين كانوا يتسابقون على ارتكاب جرائمهم، ومضاعفة أعداد ضحاياهم، لينالوا رضا قادتهم الذين كانوا يطلبون منهم تزويدهم بصور الضحايا، ليتمّ التباهي بهم أمام جمهورهم، ومكافأتهم بترقياتٍ تُشجعهم على مواصلة هواية التقتيل والتدمير.
أوقِفوا الإبادة الآن..!





شارك برأيك
صورة قلمية!.. "خط الجثث".. ممنوع العبور!