د. دلال عريقات: جنين تشكل نموذجاً للمقاومة الشعبية المسلحة إلا أنها اليوم تواجه خطر الانحراف عن الهدف المركزي
د. حسن خريشة: أي أخطاء تُرتكب من المقاومين في جنين يمكن حلها بالحوار وليس بالاقتتال الذي يُدمر النسيج الوطني
أكرم عطا الله: أي مغامرة مسلحة غير مدروسة في الضفة الغربية قد تؤدي إلى خسائر فادحة تفوق ما حدث في غزة
عبد الغني سلامة: إيران تعمل منذ وقت طويل على اختراق مخيم جنين وإيجاد موطئ قدم فيه لأغراض إيرانية خالصة
د. عبد المجيد سويلم: ما يجري معالجة أمنية بالقوة ليست الأسلوب الأمثل ويجب التفريق بين المقاومة والفلتان الأمني بالضفة
د. تمارا حداد: يجب إيجاد آليات مشتركة بين السلطة والمقاومين عبر حوار وطني شامل بعيداً عن اللجوء للمواجهة المسلحة
داود كُتّاب: أحداث جنين تعكس أزمة غياب العمل الوطني التحرري الجماعي.. وليس من حق أحد احتكار قرارَي الحرب والسلم
تشهد مدينة ومخيم جنين أحداثاً مؤسفة منذ نحو أسبوعين بين مسلحين من كتيبة جنين والأجهزة الأمنية التي أطلقت حملة لفرض الأمن والقانون تحت شعار "حماية وطن"، ما يعكس أبعاداً مركبة بين المقاومة الشعبية المسلحة، والفوضى التي قد تنحرف بالمسار الوطني.
ويرى كتاب ومحللون سياسيون وأساتذة جامعات ومسؤولون سابقون، في أحاديث منفصلة لـ"ے"، أن الأحداث الجارية تمثل تحدياً كبيراً وصعباً، حيث يستغل الاحتلال الإسرائيلي هذه الفوضى لتبرير سياساته العدوانية، كالتوسع الاستيطاني وإضعاف السلطة الفلسطينية، فيما يؤكدون أن غياب استراتيجية وطنية موحدة يُهدد قدرة الفلسطينيين على تعزيز صمودهم واستثمار المقاومة بما يخدم القضية الوطنية، مشددين على أن معالجة المشهد الحالي تستدعي الفصل بشكل واضح بين العمل الوطني المشروع ومظاهر الفلتان الأمني، فيما حذر غالبيتهم من مغبة تكرار سيناريو غزة في الضفة الغربية، لما يحمله ذلك من تكاليف باهظة للمواجهات المسلحة غير المدروسة.
حالة من الإرباك والخلط
تصف د. دلال عريقات، أستاذة الدبلوماسية وحل الصراع في الجامعة العربية الأمريكية، ما يحدث في جنين بأنه حالة من الإرباك والخلط بين العمل الوطني المقاوم وما قد يندرج تحت إطار المعارضة الداخلية والفلتان الأمني، الذي يتستر أحياناً بغطاء المقاومة.
وتشير عريقات إلى أن هذا المشهد المعقد يُعد انعكاساً لتفاقم معاناة الشعب الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وسياساته القائمة على التوسع الاستيطاني، والعنف العسكري، واستهداف البنية الاجتماعية والاقتصادية للفلسطينيين.
وترى عريقات أن الاحتلال يُمعن في قهر الفلسطينيين عبر هذه السياسات، خاصة مع الشعور العام بالعجز أمام جريمة إبادة قطاع غزة المستمرة، بالتوازي مع التغيرات التي طرأت على أدوار اللاعبين الإقليميين العرب.
ووفق عريقات، فإن هذه التوترات أعادت إلى السطح مشاعر الغضب الشعبي الفلسطيني، لكن غياب استراتيجية وطنية موحدة يُهدد قدرة الفلسطينيين على تعزيز صمودهم وتوظيف مقاومة جنين بما يخدم القضية الوطنية.
وتضيف عريقات: "تاريخياً، تُشكل جنين نموذجًا للمقاومة الشعبية المسلحة، إلا أنها اليوم تواجه خطر الانحراف عن الهدف المركزي، حيث إن ما يحدث قد ينحرف نحو الداخل الفلسطيني، بدلاً من مواجهة الاحتلال بشكل موحد ومنهجي".
هذا الوضع، بحسب عريقات، يُوفر لإسرائيل ذريعة لتبرير أعمالها الإجرامية في الضفة الغربية، بذريعة "القضاء على الإرهاب"، وهو ما يخدم الأطماع الإسرائيلية في السيطرة الكاملة على الأرض وإضعاف السلطة الفلسطينية تمهيداً لضم الضفة.
وترى عريقات أن المسار المستقبلي بات مرهوناً بقدرة الفلسطينيين على استثمار المقاومة في جنين ضمن رؤية استراتيجية شاملة تُركز على إنهاء الاحتلال، مع ضرورة تحرك القيادة الفلسطينية للحصول على ضمانات دولية لحماية الفلسطينيين وضمان تطبيق القانون الدولي.
وتوضح عريقات أن هناك مسارين رئيسيين قد يسلكهما المشهد في الضفة الغربية؛ المسار الأول يتمثل في سعي إسرائيل لاستغلال حالة الفوضى للقضاء على المقاومة عبر القمع الأمني وتوسيع الاستيطان، أما المسار الثاني فيعتمد على استمرار المقاومة الفلسطينية، لكن هذا الخيار يتطلب استراتيجية واضحة تجمع بين المقاومة الشعبية والسياسية لتجنب الوقوع في دوامة صراع غير مجدٍ.
في هذا السياق، ترى عريقات أن تجربة المقاومة في غزة تحمل دروساً مهمة يجب استخلاصها، فقد نجحت غزة في إبراز قدرة الفلسطينيين على الصمود وفرض تحديات أمام الاحتلال، لكنها كشفت في الوقت ذاته ثغرات خطيرة.
أبرز هذه الثغرات، وفق عريقات، هو عزل غزة سياسياً وجغرافياً، وتحويلها إلى ساحة محاصرة اقتصادياً وإنسانياً، ما أدى إلى إسقاط حق الفلسطينيين في تقرير المصير وإقامة الدولة المستقلة.
وتُحذر عريقات من أن السيناريو الأخطر هو فصل غزة سياسياً وجغرافياً وإدارياً عن الضفة الغربية، ما يُهدد فكرة الدولة الفلسطينية الموحدة.
وتؤكد عريقات أن الضفة الغربية تواجه تحديات أكبر، أبرزها التوسع الاستيطاني، وتقسيم الأراضي، والتنسيق الأمني مع الاحتلال، ما يتطلب نهجاً مختلفاً عن تجربة غزة.
وتُشدد على أن تكرار تجربة غزة في الضفة الغربية بدون استخلاص الدروس والعبر قد يؤدي إلى خيارات عديمة الجدوى تُهدد البنية السياسية والمجتمعية للشعب الفلسطيني.
ما تحتاجه الضفة، وفق عريقات، هو بناء استراتيجية وطنية متكاملة تُحقق وحدة وطنية شاملة وتُعزز القيادة الموحدة بعيداً عن الانقسام.
وتؤكد عريقات أهمية الحوار الوطني كواجب وطني ملح، مع ضرورة توحيد السلاح الفلسطيني ضمن رؤية موحدة لمقاومة شعبية ذكية تجمع بين أدوات الدبلوماسية، والمقاومة السلمية، والضغط الدولي على الاحتلال.
وتُشدد على ضرورة رفع مستوى الوعي السياسي لدى الشباب الفلسطيني لضمان إدراكهم لأهمية الوحدة الوطنية والالتفاف حول قرار فلسطيني موحد بعيداً عن الحسابات الفئوية والتدخلات الإقليمية.
وتُشير عريقات إلى التسريبات الاستخبارية الإسرائيلية الصادرة بتاريخ 13 أكتوبر 2023، التي كشفت أن أحد أخطر أهداف عملية السابع من أكتوبر هو تحميل حركة حماس المسؤولية في عيون الفلسطينيين.
هذا الهدف يُعكس بوضوح، وفق عريقات، رغبة إسرائيل في تقسيم الصف الفلسطيني وإضعاف شرعية المقاومة، ما يُحرف الأنظار عن القضية المركزية: إنهاء الاحتلال العسكري والاستيطاني.
وتُوضح عريقات أن الاحتلال يسعى لاستغلال الانقسام الفلسطيني وتعزيز حالة الفوضى، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين توحيد خطابهم الوطني لإعادة القضية إلى جذورها الأساسية: تحقيق العدالة وإنهاء الاحتلال.
وترى عريقات أن نجاح المقاومة الفلسطينية يتطلب إطاراً وطنياً جامعاً يعيد تعريف الأهداف الوطنية بعيداً عن المصالح الفئوية.
وتؤكد عريقات أنه يجب أن تقوم هذه الاستراتيجية على التوازن بين المقاومة الشعبية والدبلوماسية، مع العمل الجاد على المستوى الدولي لعزل الاحتلال الإسرائيلي وكشف ممارساته الاستيطانية والعنصرية.
تصاعد المقاومة بالضفة نتاج حرب الإبادة
يصف د. حسن خريشة، النائب السابق لرئيس المجلس التشريعي، ما يجري في مدينة جنين بأنه أمر مقلق ومخيف للشارع الفلسطيني، حيث يرى أن المستفيد الأكبر من حالة التوتر والفوضى هو الاحتلال الإسرائيلي، فيما يبقى الشعب الفلسطيني الخاسر الوحيد.
ويؤكد خريشة أن ما يجري من تصاعد المقاومة اليوم في الضفة الغربية، وتحديداً في شمالها، هو نتاج حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر، رغم وجود تلك المجموعات المقاومة المسلحة قبل ذلك التاريخ.
ويعتقد خريشة ان "الزلزال الذي أحدثته المقاومة الفلسطينية في السابع من أكتوبر زعزع أركان دولة الاحتلال الإسرائيلي وأعاد القضية الفلسطينية إلى واجهة المشهد الدولي، لكن بالمقابل، تصاعدت المقاومة المسلحة في الضفة، خاصة في جنين، وأصبحت تحظى بحاضنة شعبية واسعة نتيجة القهر المتزايد".
ويشير خريشة إلى أن السلطة الفلسطينية اتخذت موقفاً واضحاً منذ البداية بعدم الانخراط في الحرب الدائرة، بناءً على اعتبارات سياسية عدة، ومع ذلك فإن الحملات الأمنية التي تُنفذها السلطة، مثل حملة "حماية وطن"، تثير تساؤلات عميقة حول أولوياتها.
ويؤكد خريشة أن من يحمي الوطن يجب أن يحميه من الاحتلال والمستوطنين، وليس توتير الأجواء التي تهدد بسفك الدم الفلسطيني.
ويرفض خريشة وصف المجموعات المسلحة في جنين بغير وصف "المقاومين"، مشدداً على أن هؤلاء شباب مقاومون، وعلى الجميع احتضانهم بدلاً من مواجهتهم.
ويرى خريشة أن أي إشكالات داخلية فلسطينية يجب أن تُحل من خلال الحوار الوطني، ولجان الإصلاح، وتدخل المجتمع المدني، بدلاً من الحسم الأمني الذي يُفاقم الأزمة ويهدد بتفجير الأوضاع.
ويحذر خريشة من أن استمرار الاقتتال الداخلي يُلحق ضرراً كبيراً بالنسيج المجتمعي، ويُضعف القضية الوطنية، خصوصاً في ظل حرب الإبادة الجارية على غزة، وتزايد الأطماع الإسرائيلية في الضفة الغربية، مذكّراً بأن جميع الفلسطينيين مستهدفون، سواء أكانوا من الأجهزة الأمنية أم من المقاومين.
ويؤكد أن المجتمع الفلسطيني قادر على التدخل، عبر مسيرات شعبية تُمارس الضغط على جميع الأطراف لإنهاء الأزمة الحالية، فالوضع القائم في الضفة الغربية، إذا استمر، سيُحبط الجميع، سواء السلطة أو المقاومة، وسيمنح الاحتلال الفرصة لتنفيذ مخططاته بضم الضفة الغربية وتهجير سكانها، وهو خطر أكبر من أي مواجهة قائمة حالياً.
ويستشهد خريشة بتجارب تاريخية للرئيس الراحل ياسر عرفات الذي كان حريصاً على الحوار مع كل الأطياف الفلسطينية، بمن فيهم المقاومون، حفاظاً على وحدة الشعب وحقنًا للدماء.
ويرى خريشة أن الحوار الشامل هو السبيل الأمثل لاحتواء المجموعات المسلحة في جنين وغيرها، بعيداً عن لغة القوة والاقتتال.
ويشدد خريشة أن المقاومة ليست حصراً على الشكل العسكري، بل يمكن أن تأخذ أشكالًا متعددة، لكن يجب ألا يتم تجريم من يختارون الكفاح المسلح كخيار لمقاومة الاحتلال، خصوصاً أن المقاومة السلمية لم تُحقق أي تقدم ملموس على مستوى القضية الفلسطينية.
ويشير خريشة إلى أن تجربة المقاومة في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى دائرة الاهتمام الدولي، بالرغم من الثمن الكبير الذي دفعه الفلسطينيون هناك من دمار ومجازر.
ويلفت خريشة إلى أن المخاوف من انتقال ظاهرة غزة إلى الضفة الغربية غير مبررة، لأن المقاومة المسلحة كانت موجودة في الضفة قبل السابع من أكتوبر بسنوات.
ويرى خريشة أن أي أخطاء تُرتكب من قِبل المقاومين في جنين يمكن حلها بالحوار الوطني، وليس بالاقتتال الداخلي الذي يُدمر النسيج الوطني.
عوامل سياسية وأمنية أدت إلى تطور الأحداث في جنين
يعتبر الكاتب والمحلل السياسي أكرم عطا الله أن تطورات الأحداث الأخيرة في جنين، هي نتاج تداخل مجموعة من الأسباب والعوامل السياسية والأمنية، والتي أسفرت عن تصاعد الوضع العسكري بشكل لافت.
ويشير عطا الله إلى أن جنين كانت دوماً بؤرة تتواجد فيها مجموعات مسلحة تنشط ضمن سياق المقاومة الفلسطينية، لكن الحرب الأخيرة على قطاع غزة أجّجت الغضب لدى هذه المجموعات، بالتوازي مع سعي حركة "حماس" إلى توسيع نطاق الاشتباك عبر خلق ساحة قتال جديدة في الضفة الغربية، اعتقاداً منها أن ذلك قد يُساهم في تخفيف الضغط العسكري عن غزة أو وقف الحرب المستمرة.
ويلفت عطا الله إلى أن المسلحين في جنين تأثروا بتجربة سقوط سوريا، وبدأت بعض الأصوات تشير إلى إمكانية تنفيذ سيناريو إسقاط السلطة في الضفة، معتبرين أن السلطة تُشكل عائقاً أمام ممارسة المقاومة المسلحة، من وجهة نظر هؤلاء.
هذا التصعيد، بحسب عطا الله، يُمثل إحدى الوسائل التي تعتقد هذه المجموعات أنها قد تُفسح الطريق أمامهم لمواجهة الاحتلال بشكل مباشر بعيداً عن قيود السلطة.
ويرى عطا الله أن تراكم هذه الأسباب مجتمعة أدى إلى حالة متصاعدة من التوتر الأمني، وصلت إلى حد النيل الفعلي من السلطة الفلسطينية، وأن استمرار هذا الوضع لا يُهدد السلطة فحسب، بل يُهدد الضفة الغربية برمتها، في ظل السياسات الإسرائيلية المعلنة، خاصة تلك التي تُروج لها الحكومة اليمينية، خاصة بتسلئيل سموتريتش.
ويشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تسعى إلى ضم الضفة وتهجير سكانها، تنفيذاً لمخطط سياسي يستند إلى أفكار دينية وتاريخية قديمة، حيث برنامج سموتريتش المستلهم من روايات "يوشع بن نون"، التي تقوم على فكرة التهجير القسري تحت شعار "من يرفض العيش تحت السيادة الإسرائيلية عليه الرحيل".
ويؤكد عطا الله ضرورة قراءة تجربة قطاع غزة قراءة سياسية دقيقة، حيث إن ما حدث هناك تسبب في خسائر فادحة على جميع الأصعدة، مشدداً على أن خيار المواجهة المسلحة غير المحسوبة في قطاع غزة لم يُحقق أي أهداف تحررية، بل أدى إلى دمار كبير واستدعاء الاحتلال لمزيد من السيطرة والتوسع على أراضي القطاع.
ويُحذر عطا الله من تكرار تجربة غزة في الضفة، خاصة أن الضفة تُعتبر المنطقة الأكثر استهدافاً ضمن الخطط الإسرائيلية لمصادرتها بالكامل.
ويُشدد عطا الله على أن المطلوب في الضفة الغربية هو اتباع سياسات حكيمة وحذرة تُجنب الفلسطينيين تكرار الأخطاء السابقة، مع ضرورة تقييم الواقع السياسي والعسكري بعناية لتفادي المزيد من الخسائر، خاصة في ظل الخطط الإسرائيلية التي لم تُخفِ نواياها تجاه الضفة.
خطاب اجتماعي.. ولكن بالسلاح!
يشير الكاتب والمحلل السياسي عبد الغني سلامة إلى أن ما يحدث في جنين أصبح ينظر إليه من زاوية اجتماعية، حيث قال مقاتلون من "كتيبة جنين" في تصريحات عدة إن الحملة الأمنية تستهدف المخيم، وبعضهم عبّر عن هذا الشعور بكلمات أخرى، ما يعني أن بعض أبناء المخيم يشعرون بضرورة تكتل المخيم في مواجهة النظرة السلبية التي يراهم فيها الآخرون، فتوحدت جميع الفصائل داخل المخيم كأنها تدافع عنه، أكثر من إحساسها أنها تخوض مقاومة ضد الاحتلال، وحُيّد الانتماء التنظيمي لصالح الانتماء للمخيم.
ويقول سلامة: "ليت الأمر كان تجسيداً للوحدة الوطنية كما يبدو من النظرة الأولى، بل كان خطاباً اجتماعياً، ولكن بالسلاح، حيث يستشعر هؤلاء المسلحون بأهمية وجودهم وبقوتهم لأنهم يحملون السلاح، فهناك تشوه اجتماعي يتحمل الجميع مسؤوليته، خاصة أنه عميق الجذور لدى أوساط عديدة في المجتمع الفلسطيني ككل".
ويعتقد سلامة أنه من الناحية السياسية، فإن بعض القوى الإقليمية (ومن الواضح أنها إيران) تعمل منذ وقت طويل على اختراق مخيم جنين وإيجاد موطئ قدم فيه، لأغراض إيرانية خالصة، تماماً كما استخدمت أطرافاً أُخرى في لبنان واليمن والعراق وسورية وغزة، وبعد أن ضعفت كل تلك الجبهات، وشعرت إيران أنها تفقد نفوذها في المنطقة وتخرج من المعادلة بخسارات متتالية أرادت إشعال آخر بقعة لها فيها نفوذ، ووجدت ضالتها في مخيم جنين.
ويلفت سلامة إلى أنه يجب الانتباه إلى أن المنطقة بأسرها تعيش لحظة تحول خطيرة جداً، وإسرائيل تحتل موقع القوة الوحيدة والمهيمنة، ومعها تفويض أمريكي دولي لفعل كل ما تريده ضد من تعتبرهم تهديداً لها، وقد دمرت لبنان وسورية وقطاع غزة، وهي تنتظر أي فرضة لتنفيذ مخططها الاستيطاني التوسعي في الضفة من خلال مشروع الضم والتهجير.
ويوضح سلامة أن ذلك يتطلب تمهيد الطريق من خلال إضعاف السلطة، أو ضربها، ونشر الفوضى والانفلات الأمني وخلق البيئة المناسية لبدء مشروعها التدميري الذي يستهدف الضفة الغربية، والوجود الفلسطيني والقضية الفلسطينية، لذا فهي مرحلة خطيرة جدا.
يقول سلامة: "من الحكمة أن نعي ما يجري حولنا، وأننا لن نجد أي دعم أو سند خارجي، وكل العالم لن يكون بمقدوره فعل شيئ لنجدتنا، وأول من سيتخلى عنا هي إيران، وهذه الحكمة تقتضي ترشيد أساليب المقاومة وعقلتنها، وأن تكون ضمن توافق وطني مبني على تخطيط استراتيجي، ورؤية مشتركة ينخرط فيها الجميع: الفصائل والجماهير والسلطة والمجتمع المدني وبأساليب جديدة مختلفة عن نهج الماضي".
ويؤكد سلامة بالقول: "كلنا مع المقاومة ونريد الحرية، لكن ليس هذا هو الطريق الصحيح ولا هو بالخيار الصائب، هذه طريق للفوضى وتدمير البلد دون تحقيق أي هدف سوى التدمير الذاتي".
معالجة أمنية تعتمد على القوة كحل أساسي
يرى الكاتب والمحلل السياسي د. عبد المجيد سويلم أن تعامل السلطة مع ما يحدث في جنين وبقية مناطق الضفة الغربية يعكس معالجة أمنية تعتمد على القوة كحل أساسي، وهو نهج يصفه بأنه بعيد عن الأسلوب الأمثل لمعالجة المشكلات المتفاقمة.
ويشدد سويلم على أن هذه المقاربة الأمنية جُربت مراراً، لكنها لم تحقق النجاح المطلوب، إذ تفتح الباب أمام تكرار حالات الفلتان وتجدد الأزمات الأمنية، ما يضع الجميع في حلقة مفرغة من الاقتتال والتوتر.
ويشير إلى أن التحدي الأساسي يكمن في الفصل بين مظاهر المقاومة الوطنية المشروعة ومظاهر الفلتان الأمني الذي يعاني منه المجتمع
ويوضح سويلم أن المقاومة قد تكون منظمة وقابلة للاستيعاب والمحافظة عليها، بينما يمثل الفلتان الأمني خروجاً عن القانون وتجاوزاً يتسبب بتشويش كبير في حياة الناس.
ويؤكد ضرورة التفريق العملي والواقعي والميداني بين الحالتين، مشدداً على أهمية إيجاد مقاربة تعتمد على فهم عميق للوضع واحتياجات المجتمع.
بحسب سويلم، فإن الحلول الأمنية لا يمكن لها أن تصمد أمام التحديات الحالية، نظراً لوجود ثغرات تتيح استمرار الفلتان وتجدد الأزمات.
ويعتبر سويلم أن النجاح في الحلول يتطلب حواراً وطنياً حقيقياً بمشاركة كافة القوى والفئات الفاعلة في المجتمع.
ويقترح أن يكون هذا الحوار قائماً على العمل الجماعي لصالح الوطن والسلم الأهلي، ما يتطلب من المقاومين الوطنيين الحرص على تجنب الارتباط بمظاهر الفلتان أو الخروج عن القانون بشكل متعمد أو مفتعل.
وفي ما يتعلق بمقارنة الوضع بين الضفة الغربية وقطاع غزة، يرى سويلم أن الضفة لا يمكن أن تتحول إلى نموذج يشبه غزة، نظراً للاختلاف الجوهري في الظروف والإمكانات، فالضفة تخضع لاحتلال مباشر، وتفتقر إلى كميات الأسلحة والبنية العسكرية التي يمتلكها القطاع.
ويشدد سويلم على أن وسائل النضال في الضفة يجب أن تكون مختلفة وتتسم بالمرونة، حيث يمكن أن تلجأ لبعض أشكال الكفاح المسلح بشكل محدود، لكن لا ينبغي أن يكون هذا النهج هو السمة الرئيسية لأن بيئة الضفة في العمل المقاوم مختلفة عن غزة.
دلالات متعددة ووجهات نظر متباينة
ترى الكاتبة والباحثة السياسية د. تمارا حداد أن التطورات الأخيرة في مدينة جنين، وما يرافقها من تحركات بين المسحلين والأمن، تحمل دلالات متعددة ووجهات نظر متباينة، خاصة في رؤية السلطة الفلسطينية التي تتعامل مع هذا الوضع بحذر، موضحة أن السلطة تسعى إلى الحد من استخدام المقاومة المسلحة كذريعة أمام إسرائيل لتدمير الضفة الغربية واستهداف المشروع الوطني الفلسطيني.
وتشير حداد إلى أن السلطة الفلسطينية تحاول قدر الإمكان تعزيز السيطرة الأمنية وفرض النظام في المناطق التي تشهد تواجداً مكثفاً للمقاتلين، تحديداً في جنين والمخيمات الأُخرى، وتسعى السلطة إلى إيصال رسائل مزدوجة، واحدة للداخل الفلسطيني والأُخرى للخارج.
وتلفت حداد إلى أن السلطة تحاول توجيه رسائل للداخل، مفادها أن تحركات المقاتلين الحالية قد تنعكس سلباً على القضية الفلسطينية، بدلاً من أن تخدمها.
فهذه التحركات، بحسب حداد، تُستغل من قبل اليمين الإسرائيلي المتطرف الذي يسعى إلى تصفية القضية الفلسطينية بشكل نهائي، ووفق هذا السيناريو فإن تصاعد المواجهات والفوضى في الضفة يمنح إسرائيل مبرراً لتنفيذ خططها، سواء بفرض السيطرة العسكرية أو دفع الولايات المتحدة والمجتمع الدولي للتسليم بواقع جديد في الضفة الغربية، قائم على حكم عسكري إداري وأمني، بعيداً عن أي أفق سياسي فلسطيني مستقبلي.
وترى حداد أن الاحتلال يستغل الفوضى لإضعاف السلطة الفلسطينية وتفكيكها تدريجياً، وتحويلها إلى إدارة بلدية كبرى لا تمتلك أي حقوق سياسية أو سيادية مستقبلية، مما يُجهض فكرة الدولة الفلسطينية.
وتؤكد حداد أن هذا المسار يُترجم عملياً من خلال محاولات إسرائيلية مستمرة لعرقلة أي حل سياسي أو إحياء لمسار الدولتين.
وفيما يخص الرسالة الخارجية، توضح حداد أن السلطة الفلسطينية تسعى إلى طمأنة الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بأنها قادرة على فرض الأمن والاستقرار في الضفة الغربية، ولا بد من إطلاق مسار سياسي يضمن الحقوق الفلسطينية، وتُبرز السلطة جهودها في احتواء الفوضى الداخلية وتقويض أي تحركات مسلحة يمكن أن تستغلها إسرائيل كذريعة لتكثيف عملياتها العسكرية واقتحاماتها، خاصة في ظل المناخ الدولي الحساس.
وفي هذا السياق، تشير حداد إلى أن الولايات المتحدة، التي تتبنى مسار التطبيع بين إسرائيل والسعودية، تحاول تجنب أي تصعيد ميداني في الضفة يمكن أن يؤثر على هذه الجهود، فيما ما زالت السعودية تشترط إعطاء الفلسطينيين حقهم في إقامة دولتهم كحد أدنى من أجل السير بهذا المسار.
وبالتالي، وفق حداد، فإن أي انفلات أمني في الضفة قد يعرقل هذا المسار نحو إقامة الدولة.
من جهة أُخرى، ترى حداد أن إيران تعتبر الضفة الغربية "حديقة جانبية" قريبة من إسرائيل، تسعى من خلالها لإحداث فوضى أمنية، وهو ما ترفضه السلطة التي تحاول منع استخدام هذه الجماعات كأدوات تخدم أجندات خارجية لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية الفلسطينية.
وتلفت حداد إلى أن مصدر السلاح في الضفة الغربية بات موضع شك ورقابة مشددة، حيث يُطرح تساؤل حول كيفية وصول هذا السلاح رغم التشديدات الأمنية الإسرائيلية، مشيرة إلى أن السلطة ترى أن بعض السلاح قد يأتي من عصابات داخل إسرائيل نفسها.
وتُحذر حداد من تكرار سيناريو غزة في الضفة، حيث إن المقاومة المسلحة في غزة لم تحقق نجاحاً ملموساً بسبب عدم وجود استراتيجية واضحة وبرنامج وطني مشترك بين جميع الفصائل الفلسطينية.
وتدعو حداد إلى إيجاد آليات مشتركة بين السلطة والمقاومين عبر حوار وطني شامل يقوم على التفاهم والتوعية، بعيداً عن المواجهة المسلحة بين الطرفين، مشددة على أن الحل الأمثل يكمن في تعزيز صمود الفلسطينيين على أرضهم، والعمل على استثمار الطاقات الوطنية في برامج تدعم الثبات والمقاومة الشعبية السلمية.
نتيجة مباشرة لغياب انتخابات نزيهة وشفافة
يرى الكاتب والمحلل السياسي داود كُتّاب أن الأحداث الجارية في جنين تعكس أزمة أعمق تتعلق بغياب العمل الوطني التحرري الجماعي، موضحاً أنه في ظل الانقسامات الداخلية، يبرز اتجاه سياسي باعتقاده أنه يحمل مفتاح الحل وخارطة الطريق للتحرر الوطني، ما أدى إلى استفراد كل طرف بقراراته الخاصة بعيداً عن التوافق الوطني.
ويؤكد كُتَّاب أن هذا الواقع هو نتيجة مباشرة لغياب انتخابات نزيهة وشفافة على مستوى الوطن، والتي من شأنها أن تُعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني بشكل ديمقراطي وواضح.
ويشير كُتَّاب إلى أنه ليس من حق أي أحد، سواء أكان فصيلاً، أم مجموعة، احتكار قراري الحرب والسلم، باعتبارهما ملكاً للشعب الفلسطيني بأسره.
هذا الاستفراد، وفقاً لكُتَّاب، يُجسد تداعيات الانقسام الفلسطيني الداخلي وغياب الوحدة الوطنية التي تضعف القضية الفلسطينية أمام التحديات الكبرى.
وفي سياق تقييمه لتجربة المقاومة في غزة، يلفت كُتَّاب إلى أن المقاومة هناك حققت مكاسب مهمة، وأبرزت القضية الفلسطينية على الساحة العالمية، لكن كان لها أيضاً عيوبها، موضحاً أن هذه التجربة لم تكن نتاج قرار وطني مشترك ومتفق عليه، بل اتخذت بشكل أحادي، ما جعل الشعب الفلسطيني يتحمل تكاليف باهظة من دمائه ومستقبله.
ويرى كُتَّاب أن الحل للخروج من هذه الحالة يبدأ باستعادة الوحدة الوطنية، وتجديد الشرعية من خلال انتخابات وطنية شاملة، وإعادة توجيه البوصلة نحو العمل الجماعي المبني على رؤية تحررية واضحة





شارك برأيك
الدعوة لاستقصاء الدروس والعبر من إبادة غزة.. أحداث جنين كما يراها كُتّاب ومحللون