أقلام وأراء

الأحد 15 ديسمبر 2024 9:05 صباحًا - بتوقيت القدس

عن انهيار جدار العبودية وهروب الوَحش!

عند الساعة العاشرة صباحًا من يوم الإثنين السابع عشر من أيلول/ سبتمبر 2007 توقفت سيارة الأجرة من نوع "كابرس" عند معبر جابر الحدودي بين سوريا والأردن، تُقل أربعة ركاب، أنا، وشاب وفتاتان، وجميعهم من الأردن، ويقودها سائق من مدينة الرمثا الحدودية.


جمع السائق وثائق سفرنا وترجل لختمها، حتى يتسنى لنا العبور باتجاه دمشق. وبعد أقل من عشر دقائق عاد السائق يحمل وثائق سفر الركاب عدا وثيقتي، وطلب مني مراجعة حُجرة مسؤول ختم الجوازات، فنزلتُ مسرعًا إلى هناك.


قذف موظف الجوازات في وجهي سؤالًا واحدًا:" ليش هذا الملصق العبري على جواز سفرك؟" أجبته على الفور:" نحن تحت احتلال كما تعلم، ووثائق سفرنا وهوياتنا يصدرها الاحتلال، ولزامًا علينا نحن سكان الضفة الغربية العبور في نقاط تفتيش إسرائيلية، ومثل هذه الأختام اعتيادية في ظل احتلال يحكم قبضته على مفاصل حياتنا." أشاح بوجهه الصخري، وهمس: "ما بقدر أدخلك"، قلت له: "لقد حصلتُ على موافقة أمنية من سفارة سوريا في عمان ورقمها ( 65121) ولديَّ قبول جامعي لدراسة الماجستير في جامعة دمشق". 


في هذه الأثناء، أومأ اليَّ السائق بعينه بضرورة وضع المعلوم داخل وثيقة السفر، و"المعلوم" هو مبلغ مالي تسدده ظُلمًا حتى تقضي حاجتك في بلد مثل سوريا قائم على الرشاوى والبلطجة! وضعتُ مبلغًا جيدًا، واتجهت نحو السيارة بعد أن استلمتُ قصاصة ورق لمراجعة فرع " 235" أو ما يسمى بفرع "فلسطين" في دمشق.


في صباح اليوم الثاني وجدتني أمام مبنىً رماديًا كئيبًا، من ثلاثة طوابق يُطل برعبٍ على حي القزاز الدمشقي. إنه المكان الذي يصبح فيه العواء البشري الوسيلة الوحيدة للتعبير! وربما في هذا المكان المرعب، آلاف الضحايا، ومنذ سنوات طويلة، بلا أسماء أو عناوين أو ذاكرة!


في قاعة الانتظار، كنت أتظلى على جمر القلق بانتظار الاستجواب، وقد بُدد قلقي حينما خرج شاب طويل القامة، نحيف، من أحدى الغرف، ويحمل في يده وثيقة سفر فلسطينية. جلس قبالتي في القاعة نفسها، سألته من أين أنت، قال: "أنا من مدينة بيت لحم وأدرس الحقوق في جامعة اللاذقية، واستدعيتُ للتحقيق بعد أن عبرت الحدود أول من أمس، قادمًا من الضفة الغربية بعد قضاء إجازتي." وأردف انتبه على نفسك".

 

صمدتُ داخل الفرع قرابة ثلاث الساعات تحت وطأة أسئلة استثنائية، فارغة وتنمُ عن عقلية مخابراتية قلقة متوحشة، وأجزم أنه لو خرجت مني كلمة في غير سياقها لكنت الآن مسجىً في أحدى القبور، أو من بين المعتقلين الذين أُخرجوا من السجن، بعد قضاء سبعة عشر عامًا في الجحيم!


 قضيتُ في دمشق سبعة أيام، في منزل أحد الأصدقاء في مخيم اليرموك، تحت وطأة قلق مروّع، وقد آثرت العودة للوطن بعد انهيار إمكانية الالتحاق بالجامعة لأسباب قهرت إرادتي. أردت أن أذكر هذه الحادثة، والتي قد تكون عابرة، مقارنةً بتجارب أولئك الذين، وقعوا في حبال المخابرات السورية، وسددوا ثمنًا باهظًا بسبب كلمة وُضعت في غير سياق، وقضوا تحت التعذيب أو غيِّبوا في الزنازين سنواتٍ طويلة.


أثث هذا النظام الوحشي الستاليني في سوريا، مملكة كبيرة من الرعب والخوف، لأكثر من خمسة عقود، دفع فيها السوريون والعرب كافة؛ أثمانًا باهظة نتيجة لعنجهيته وطائفيتة.


 وبعد أربعة عشر عامًا من صراعٍ دموي، استطاع الأحرار هدم أكاديمية الدم، وإسقاط الحكم الوراثي المجرم، وفرار عرّاب التعذيب والقتل والوحشية، وإنهاء حقِبة دموية طويلة قاسية.


ولم يكن مستغربًا هذا السقوط المدوي لنظام الأسد بهذه السرعة الجنونية، فالأحداث الأخيرة تسارعت بشكل لافت، بعد الخسائر التي مُنيَ بها حزب الله في جبهة الإسناد مع غزة على يد الاحتلال الإسرائيلي، وانشغال روسيا في الحرب الأوكرانية، وعدم رضا إيران عن سياسة الأسد الخارجية، واقتناع الحكومة العراقية والمليشيات أن الصراع في سوريا شأنًا داخليًا.

 

ولا شك أيضًا، أن الموالين للأسد في سوريا، ضاق بهم العيش وأنهكهم الفقر، إضافة إلى أن الجيش بات بلا عقيدة قتالية بعد أربعة عشر عامًا من القتال؛ كل هذه المحطات والتحولات؛ دفعت قُدمًا بالمعارضة لاستعادة سوريا من حقبة دموية طويلة.


يُحسب للمعارضة السورية المُسلحة أنها تنبهت_ بعد طرد المتطرفين والمنتفعين منها_ إلى أهمية المحافظة على الدولة كبناء ومؤسسات دون الانجرار خلف محاصصات صغيرة قبل إسقاط النظام أو حتى بعد، وجاءت بخطاب تصالحي، متحليةً بقيمٍ إنسانية بعيدةً عن لغة القتل والانتقام، وحافظت حتى تاريخ كتابة هذا المقال، على مقدرات الدولة ومؤسساتها_ وإن كانت هناك بعض التجاوزات من بعض اللصوص وضعاف النفوس_ إيمانًا منها بأن سوريا للسوريين وليست مُلكًا لعائلة الأسد.


كل الرهانات التي يُطلقها البعض بأن سوريا ذاهبة للفوضى، محض هراء، استنادًا لما حدث في ليبيا والجار العراق، فالعراقيون أخطأوا خطأً كبيرًا بعد سقوط نظام صدّام حسين حينما انقضّوا على مقدرات ومؤسسات بلدهم نهبًا وتخريبًا؛ ما أسهم انتشار الفوضى وانهيار الدولة والدخول في حربٍ طائفيةٍ فتت النسيج الإجتماعي، وأدخلت العراق في نفق مُظلم يدفع فقراءه الثمن حتى يومنا هذا.


لا أعتبر كلامي مبكرًا؛ إن قلت بأن مصلحة الدول المجاورة مع سوريا الجديدة أكثر أمانًا ونفعًا من نظام وزّع طوال أربعة وخمسين عامًا إرهابًا ووحشية على جيرانه، فذاكرة الفلسطينين واللبنانين والعراقيين متخمةٌ بأحداث دموية سببها لهم الأسد الأب وإبنه.


الطبقة الموالية؛ من مثقفين وإعلاميين وفنانين سوريين وبعض المتعاطفين العرب، أضحوا أيتامًا يلاحقهم العار، بعد سقوط النظام وهروب الطاغية بشَّار، ولن تُجدِ نفعًا كل محاولات تبيض صفحاتهم الملطخة بدماء أبناء شعبهم.


كل ما نتمناه أن لا تمتد أيادٍ سوداء إلى سوريا، وعبر أدوات حقيرة تهدف لخلق الفوضى، لتنسف هذا الإنجاز الثوري الذي سُقي بالدم. الرحمة للشهداء الذين عبَّدوا بدمائهم الطاهرة شوارع التحرير، ومبارك لشعب سوريا دولتهم الجديدة، والعار لكل المتآمرين على شعوبٍ تحلم بالتخلص من نير العبودية. 

دلالات

شارك برأيك

عن انهيار جدار العبودية وهروب الوَحش!

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.