في عقد يدور فيه الحديث عن حقوق الانسان والديمقراطية بخطاباتها الرنانة وشعاراتها البرّاقة المثيرة للاعجاب، وفي كنف ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين يبدأ العد التنازلي لانهيارها واقترابها من حافة الهاوية الساكنة فيه أصلاً منذ سنوات، في بلاد المال والفرص، معقل العلمانية والليبرالية، حيث الغاية تبرر الوسيلة شعارها، والحقوق لمن يستطيع اليها سبيلاً نهجها، لتُمنى بضربة قاضية في صورتها من أبناء جلدتها وأقرب الناس إليها، لتخليها عن مبادئها بعد هبوطها إلى أدنى مستوى من الإنحطاط وهي تدافع عن إبادة شعب على يد أيديولوجيا عنصرية دينية، تُعرّف على أنها واجهة الغرب وامتدادها الحضاري، منذ 76 عاماً.
لتسقط اليوم سقوطاً مدوياً آخر ورقة من أوراق الزيف التي تنادي بها حارسة الازدهار كما تدّعي، والتي على ما يبدو غلبها النعاس، غافلة ومتغافلة عن الدساتير والشرائع والقوانين التي ما لبثت تستعرضها وتتباهى بها، لتتحول مهد الحريات اليوم إلى مسرح للعنف بلا قيود في جامعاتها وكلياتها، مكشرةً عن أنيابها، ملقية في القمامة انسانيتها، وهي التي طالما اعتبرت نفسها معمل الديمقراطية والحارس اليقظ والمدافع الشرس عن مبادئها، حتى بدا للعالم أن النهر قد يغير النهر مجراه، وكيف لا وبقاء الحال على حاله بات اليوم من المحال.
لتتجلى وتنوب عنها الديكتاتورية بأبهى صورها، حيث الحديد والنار سلاحها، والنازية الجديدة عنوانها، التي بدت تزحف لتطمر خرافات، وتصحح أوضاع المفاهيم الإنسانية لديها، حتى تمكنت ببراعة من إضافة وحشو وحذف وإخفاء ما يناسبها وما لا يناسبها، في حرب باتت تخطف الأرواح، تفترس آلاف الأطنان من اللحم البشري كل يوم لشعب أعزل يموت ويُسحق حياً دون تحريك ساكن أو تسكين متحرك، حتى انهارت معها كل المعايير الدولية والأخلاق، لتعود معها شريعة الغاب والبقاء للأقوى وثقافة الإفلات من العقاب. وهذا ظهر جلياً في تصريح لمسؤول بالخارجيه الامريكيه معترضاً على قرار المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين من الاحتلال الاسرائيلي، بالقول، إن هذه المحكمة----- تم إنشاءها------ من أجل الأفارقة وروسيا وليس لمحاكمة اسرائيل، وكأن التاريخ يعيد نفسه فنستذكر الشاعر جبران خليل جبران حين قال: " وَالعَدل في الأَرض يُبكي الجنّ لَو سَمِعوا بِهِ....وَيستَضحكُ الأَموات لَو نَظَروا".
فواقعياً وخلافاً للصمت العربي الذي لا نعرف له أسبابا، ها هو النظام الأمريكي-الغربي بعنصريته العميقة والراسخة التي تمنعه من النظر للشعوب المستضعفة على أنهم من البشر، كان ومازال يتعامل مع المشهد الإقليمي عموماً وحرب غزة على وجه الخصوص بالشوكة والسكين، وبانتقائية باهتة وبائسة ومقيتة، حيث نرى ونسمع بما لا يدعو للشك كيف أن ديمقراطيتها المزعومة تُداس اليوم بالأقدام عندما يتعلق الأمر بحلفائها، فبمجرد أن يدق جرس الإنذار في بلد غربي، يُسمع صوته وتهب لنجدته كل دول العالم، فنراها تحضر وبقوة حينما يتعلق الأمر بتظاهرات المثليين مثلاً، التي تصبح فجاة مضطهدة تستحق الحماية والتعاطف، وبالمقابل تَحضُر ديكتاتوريتها لنصرة حلفائها ظالمة او مظلومة، في حين تتعامل مع المظلوم من شعوب أخرى بآذان صماء، مشهرة سيف اللاسامية في وجه كل من يجرؤ أو يفكر حتى بالانتقاد، لتسقط تباعاً كل الأوهام التي صدقها العالم يوماً وعاشها في واحة الحريات.
إلا أن صوت الحقيقة يأبى إلا أن يقف للباطل بالمرصاد أمام حرب ما زالت على وتيرة مرتفعة من الوحشية والإجرام، والذي بدأ يطل برأسه ويتجلى بسؤالٍ نسأله وفي القلب غصة "هل ستشرق شمس العرب من الغرب....؟! " تحديداً من جامعاتها وطلابها جنود الإنسانية التي أخرجتهم حرب الإبادة والتجويع عن مقاعد الدراسة "كسفينة نوح في الطوفان".... في وجه مذابح قد أُنجزت وأخرى قيد الإعداد، وليهشموا كل ما روجته حكوماتهم على مدار مئة عام، والتي لطالما حاولت عبثاً طمس القضية الفلسطينية ومأساة أهلها، التي بدت تماماً كمن يحاول دحرجة صخرة صعوداً إلى قمة جبل.
إلا أن التطور اللافت والمفارقة الفاضحة في هذا السياق كانت بظهور حركات طلابية من اليهود أنفسهم لمساندة التحركات الداعمة لفلسطين، بينما يعجز العرب او يخشون حتى تحريك عربة اسعاف لاخوتهم بالعروبة والدم.
الحقيقة المرة والمريرة التي نعيشها اليوم نحن الشعوب العربية مسلوبة الإرادة والقرار بعيدون مسافات ضوئية عن ركب الحضارات، حيث حرية الرأي فقط في الاحلام والخروج عن المقرر من المحرمات، والطاعة العمياء نهجاً وسبيلاً للعيش بسلام حتى اصبح وجودنا كعدمه في ظل انظمة ماهرة بتعليم الأجيال فضيلة الصمت والاستسلام، حتى لم يعد لصوتنا صدى تسمعه الآذان...إلا أن أمام هذه اللوحة السوداء التي تزداد حلكة وسواداً يوماً بعد يوم ما تزال هناك نار مضيئة مشتعلة تحت الرماد...!





شارك برأيك
ديمقراطية تحت لهيب الانتقائية والازدواجية والتضليل