بين النار والحصار: إلى أين تقود الخلافات العائلية المجتمع الفلسطيني؟

 بين النار والحصار: إلى أين تقود الخلافات العائلية المجتمع الفلسطيني؟

بين النار والحصار: إلى أين تقود الخلافات العائلية المجتمع الفلسطيني؟
بيت أمر نموذجاً لاستنزاف مجتمعٍ بين التاريخ والفتنة
تقف بلدة بيت أمر، شمال مدينة الخليل، كواحدة من أكثر البلدات الفلسطينية حضوراً في الذاكرة الوطنية، إذ عُرفت عبر تاريخها بأنها “قلعة التصدي” للاحتلال الإسرائيلي، و” عروس الجنوب الفلسطيني”، بما حملته من رمزية نضالية وثقافية متجذرة في وجدان أهلها.
فهي بلدة تنبض بالحياة الزراعية، تشتهر بكروم العنب، والبرقوق (الخوخ)، والتفاح، واللوزيات، والخضروات، حيث شكّلت الزراعة عبر عقود طويلة عموداً اقتصادياً وهوياً ربط الإنسان بالأرض في علاقة وجود لا تنفصل.
لكن هذا الوجه المشرق لم يعد وحده حاضراً في الصورة.
فمن الشمال، تحاصرها مستوطنة “غوش عتصيون” التي ابتلعت نحو 30% من أراضيها، إلى جانب جدار الفصل العنصري الذي التهم مساحات واسعة من كرومها. ومن الجنوب، تمتد مستوطنة “كرمي تسور” لتضيف مزيداً من التهام الأرض، حتى تجاوزت نسبة المصادرة من أراضي البلدة 53% من مساحتها الأصلية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل سلبت الطرق التفافية الجديدة، خاصة في منطقة واد الشيخ شرق البلدة قرب مخيم العروب، مزيداً من الأراضي الزراعية، في سياق متواصل من تقليص الحيز الجغرافي للبلدة وسكانها.
وبحسب اتفاقية أوسلو جرى تقسيم أراضي الضفة الغربية إلى مناطق (A) و(B) و(C) وفي بيت أمر، صُنّفت 13,600 دونم (45.4%) كمناطق (B) تخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية، فيما صُنّفت 16,354 دونماً (54.6%) كمناطق (C) تخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، وتشمل الأراضي الزراعية والمناطق المفتوحة وأجزاء من النسيج العمراني، حيث يُمنع البناء أو الاستفادة منها إلا بتصاريح معقدة.
ورغم هذا الخناق الجغرافي والسياسي، بقيت بيت أمر لعقود طويلة في حالة مواجهة شبه يومية مع الاحتلال، حيث اعتادت أن تقدم شهداء وجرحى ومعتقلين، في مشهد يعكس طبيعة البلدة التي ارتبط اسمها بالمقاومة والصمود.
لكن التهديد الأخطر لم يعد فقط خارج أسوار البلدة.
ففي لحظة ما، بدأت الفتنة تتسلل إلى داخلها، حين اندلع شجار بين عائلتين من أكبر عائلات بيت أمر، كان في بدايته خلافاً محدودا، لكنه سرعان ما تحول إلى نزاع ممتد، ثم إلى حالة استنزاف مفتوحة.
ومع مرور السنوات، بدأت ملامح التمزق تظهر بوضوح على النسيج الاجتماعي، لتدخل البلدة في دوامة من التوتر المستمر منذ نحو أربع سنوات، أسفرت عن مقتل خمسة من أبنائها، إلى جانب إصابات واعتقالات وأضرار واسعة طالت الممتلكات.
وفي السابع عشر من نيسان، عاد التوتر مجدداً إلى البلدة ونتيجةً لهذا التوتر قتل شخصان في البلدة ليرتفع عدد قتلى هذا الشجار إلى سبعة، ورغم محاولات التهدئة والتوصل إلى هدن بين العائلتين منذ ذلك اليوم، لم تصمد التفاهمات طويلاً، وسرعان ما تم خرقها، لتعود المواجهات بشكل متقطع، وسط أجواء مشحونة تعيشها البلدة حتى اليوم،
والأكثر إيلاماً أن هذا الانقسام الداخلي انعكس على الحياة المدنية، حيث لم تُجرَ الانتخابات البلدية في بيت أمر منذ أربع سنوات، في مؤشر واضح على تعطّل المسار المجتمعي والمؤسساتي بفعل استمرار الأزمة.
وتبرز هنا أسئلة معقدة تتجاوز حدود البلدة: كيف لبلدة عُرفت بالعلم والوطنية أن تنزلق إلى هذا العمق من الصراع الداخلي؟ ومن المستفيد من استمرار هذا النزيف؟
إن ما بدأ كشجار بين شبان من العائلتين، تطور لاحقاً إلى اشتباكات مسلحة، تخللتها عمليات إطلاق نار وإحراق منازل ومركبات ومحال تجارية، في ظل بيئة أمنية شديدة التعقيد، حيث يمنع الاحتلال الإسرائيلي الأجهزة الأمنية الفلسطينية من دخول البلدة، التي تعيش أصلاً حالة حصار من جهاتها الشمالية والشرقية والغربية بفعل المستوطنات والنقاط العسكرية.
ويضاف إلى ذلك انتشار السلاح خارج إطار القانون، ما ساهم في تحويل الخلاف من نزاع اجتماعي إلى مواجهة مفتوحة، في ظل غياب قدرة حقيقية على فرض النظام أو احتواء الأزمة بشكل جذري.
وفي السياق الأوسع، لا يمكن فصل ما يحدث في بيت أمر عن واقع الضفة الغربية، حيث تقييد حركة الأجهزة الأمنية وغياب السيطرة الفعلية في العديد من المناطق، ما يخلق فراغاً تُستنزف فيه المجتمعات من الداخل بدل أن تتماسك أمام التحديات الخارجية.
وهكذا تتحول البلدة من نموذج وطني صلب إلى ساحة استنزاف داخلي، يخسر فيه الجميع، بينما تتآكل القدرة على الصمود الاجتماعي شيئاً فشيئاً.
وفي النهاية، تبقى بيت أمر واقفة بين صورتين: صورة بلدة صنعت تاريخها بالنضال والعلم والانتماء، وصورة أخرى تُرهقها الخلافات وتنهكها النار الداخلية.
ويبقى السؤال الأثقل الذي لا إجابة سهلة له:
من المسؤول عن هذا الانحدار؟

ومن أعاد تحويل البلدة من قلعة صمود إلى ساحة نزيف داخلي؟
وهل يمكن لبيت أمر أن تستعيد نفسها قبل أن تبتلعها النار من الداخل أكثر مما يحيط بها الحصار من الخارج؟

اجتماعية
237 مشاهدة
0 تعليق
سالي ابو عياش

بقلم

سالي ابو عياش

اقرأ المزيد من مشاركات هذا الكاتب

عرض الملف

شارك برأيك

بين النار والحصار: إلى أين تقود الخلافات العائلية المجتمع الفلسطيني؟