يوم جديد
على مدار سنوات طويلة، انشغلنا -بحق- بتوثيق جرائم الاحتلال، وكشف انتهاكاته، ورصد الاستيطان، ونقل معاناة شعبنا إلى العالم. كان ذلك واجبًا وطنيًا وأخلاقيًا، خاصة بعد تبني استراتيجية التدويل من قبل منظمة التحرير الفلسطينية التي أدركت أن معركة الرواية لا تقل أهمية عن معركة الأرض، ولأن توثيق الحقيقة هو الخطوة الأولى نحو العدالة.
لكن ما نشهده اليوم يفرض علينا التقدم إلى مرحلة جديدة. لم يعد يكفي أن نصف الجريمة، أو أن ننتظر بعد كل مجزرة بيان إدانة جديدًا، أو الاكتفاء بمطالبة المجتمع الدولي بالتدخل أو الاكتفاء بالمشاركة بدور العزاء والجنازات مع أهمية التكاتف إنسانياً ووطنياً، إلا أن المشروع الكولونيالي الاستيطاني تطور، وأصبح أكثر تنظيمًا ووضوحًا وعدوانية، وبالتالي يجب أن يتطور موقفنا السياسي وخطابنا الوطني وأدواتنا بالقدر نفسه.
ما جرى في تل كما في سنجل ودير جرير، وجالود، والمغير، والخان الأحمر، والخليل، وغزة، ليس سلسلة أحداث منفصلة، بل تعبير عن سياسة واحدة. لم يعد المستوطن مجرد فرد متطرف، بل أصبح جزءًا من منظومة سياسية وعسكرية تستخدم العنف المنظم وسيلة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وتهجير الفلسطينيين، وإعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية بالقوة، تحت حماية جيش الاحتلال، وبدعم حكومي، وفي ظل إفلات شبه كامل من العقاب. إن اختزال ما يجري في "اعتداءات مستوطنين" يضلل الحقيقة. نحن لا نواجه أفرادًا خارجين عن القانون، بل مشروعًا استعماريًا استيطانيًا تستخدم فيه دولة الاحتلال المستوطنين أداةً لتنفيذ سياساتها، بينما يوفر الجيش الحماية، وتمنح الحكومة الغطاء السياسي والقانوني، ويستمر المجتمع الدولي في الاكتفاء ببيانات القلق والتنديد.
المشكلة اليوم لم تعد في غياب القانون الدولي، فالقانون واضح، والاستيطان غير شرعي، والاحتلال غير القانوني أدانته أعلى الهيئات القضائية الدولية. المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الإرادة السياسية لإنفاذ هذا القانون. وكل يوم يمر بلا مساءلة يمنح الضوء الأخضر لجريمة جديدة.
الاعتراف بهذه الحقيقة لا يكفي. لقد آن الأوان لأن ننتقل، فلسطينيًا، من مرحلة تشخيص وتوثيق المشروع الاستعماري إلى بناء استراتيجية وطنية لمواجهته. إن حماية المواطن الفلسطيني يجب أن تصبح أولوية وطنية عليا، لأنها ليست مسؤولية إنسانية فحسب، بل مسؤولية سياسية ووطنية، وجزء لا يتجزأ من مشروع التحرر الوطني. فالدفاع عن الأرض يبدأ بحماية الإنسان الذي يعيش عليها. ومن هنا، أدعو لبناء وتبني منظومة وطنية متكاملة لحماية المواطنين، خاصة في القرى والتجمعات الأكثر استهدافًا، تقوم على تطوير آليات للإنذار المبكر، والتبليغ الفوري، والاستجابة السريعة، بتوظيف أدوات التكنولوجيا وتعزيز التنسيق بين المؤسسات الرسمية والمجتمعية، والاتفاق على تزويد المواطنين في كل مكان بأدوات مشروعة للدفاع عن النفس المباشر بما يضمن الدفاع عن النفس ولو بأدنى حد، أو سرعة الاتصال والتدخل عند وقوع أي اعتداء. أنادي القيادة الفلسطينية وبشكل وطني جامع وشمولي بتوفير وسائل الحماية المشروعة للمواطنين في مواجهة اعتداءات المستوطنين، ضمن إطار القانون، وبما يعزز قدرة التجمعات الفلسطينية على الصمود وحماية أرواح المدنيين وممتلكاتهم. إن حماية المدنيين ليست ترفًا سياسيًا، بل حق أصيل.
هذه المسؤولية لا تقلل من اهمية الأدوات الدبلوماسية والقانونية، ولا تقع على الفلسطينيين وحدهم. فبموجب القانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، وقرار ٢٣٣٤، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية قانونية في حماية السكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال وإرهاب المستوطنين. ولذلك، فإن المطلوب لم يعد بيانات إدانة، بل توفير حماية دولية فورية وفعالة للمدنيين الفلسطينيين، ونشر آليات مراقبة وحماية في المناطق الأكثر عرضة لاعتداءات المستوطنين، وفرض إجراءات وعقوبات على منظومة الاستيطان وكل من يدعمها أو يمولها أو يوفر لها الحماية.
كما أن المواجهة تتطلب توحيد الجهد القانوني والدبلوماسي الفلسطيني، بحيث لا تقتصر الملاحقة على منفذي الجرائم، بل تمتد إلى منظومة الاحتلال والاستيطان بأكملها، باعتبارها سياسة دولة وليست أفعالًا فردية. فالمطلوب هو تحويل كل جريمة إلى كلفة سياسية وقانونية واقتصادية على الاحتلال، لا أن تبقى مجرد خبر جديد في نشرات الأخبار.
وفي الداخل، لا يمكن لأي استراتيجية حماية أن تنجح دون مشروع وطني متجدد، يقوم على وحدة المؤسسات، وتجديد الشرعية، وتعزيز صمود الناس، وربط الحماية اليومية للمواطنين بالهدف الوطني الأكبر: إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة.
إن السؤال لم يعد: كيف نمنع المجزرة القادمة؟ السؤال الحقيقي هو: كيف نجعل استمرار الاحتلال والاستيطان أكثر كلفة من إنهائه؟ الفلسطيني ليس مشروع ضحية، إنه شعب يناضل من أجل الحرية والكرامة وتقرير المصير. ولذلك، فإن مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على رواية المأساة، بل على التفكير معا لبناء مشروع وطني يحمي الإنسان الفلسطيني، ويصون كرامته، ويجعل من كل اعتداء دافعًا لتعزيز صمودنا، ومن كل جريمة خطوة إضافية نحو مساءلة الاحتلال وإنهاء منظومته الاستعمارية.
א 26 יול 2026 10:12 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
استراتيجية وطنية للحماية