ה 23 יול 2026 10:32 am - שעון ירושלים

عقارات فتح والسلطة في جنوب القدس... ثروة مهدرة وأسئلة تبحث عن إجابة

بقلم: معروف الرفاعي

في جولة سريعة في مناطق جنوب القدس، لا يحتاج المرء إلى كثير من الوقت حتى يكتشف حجم المفارقة المؤلمة التي تعيشها هذه المنطقة؛ أراضٍ تقدر قيمتها بملايين الدولارات، ومبانٍ شُيّدت على نفقة حركة فتح أو من المال العام، لكنها بقيت سنوات طويلة دون استكمال أو تشطيب أو استثمار، لتتحول في بعض الحالات إلى مبانٍ مهجورة، ومواقف للسيارات، وأماكن عرضة للتعديات والاستغلال غير المشروع.

المشهد لا يبعث على الحزن فحسب، بل يطرح أسئلة كبيرة ومشروعة: من المسؤول عن هذه العقارات؟ ومن يتابعها؟ ومن قرر تركها على هذا الحال؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم استثمارها؟ وإلى متى ستبقى أموال الحركة والسلطة الوطنية الفلسطينية مجمدة في أبنية وأراضٍ لا تؤدي أي وظيفة وطنية أو تنموية؟

من بين هذه العقارات تبرز بناية مؤسسة السنابل المسؤولة عن ادارة املاك حركة فتح كبديلة عن مؤسسة صامد، وكذلك مبنى المجلس التشريعي المهجور، إلى جانب قطع أراضٍ مسجلة باسم حركة فتح، ومبانٍ أُقيمت بهياكلها الإنشائية ثم توقفت أعمالها، وبقيت شاهدة على أموال أنفقت دون أن تتحول إلى مؤسسات أو مشاريع تخدم المواطنين.

ولعل مشهد مبنى المجلس التشريعي، على وجه الخصوص، يثير الأسى؛ فالمبنى الذي يفترض أن يكون رمزًا للحياة البرلمانية والمؤسساتية الفلسطينية، يقف اليوم مهجورًا، في وقت تحتاج فيه مناطق جنوب القدس إلى مؤسسات عامة وخدمات أساسية، وفي وقت يعاني فيه المواطنون من نقص واضح في المرافق الحكومية والصحية والأمنية والاجتماعية.

إن القضية هنا ليست مجرد مبانٍ وأراضٍ؛ القضية هي إدارة المال العام والموارد الوطنية، وهي قضية تتصل بالمسؤولية الوطنية قبل أن تكون قضية إدارية.

 خاطبت محافظة القدس، في مناسبات عديدة، رئاسة الوزراء والوزارات والمؤسسات ذات العلاقة، مطالبة بضرورة وضع هذه العقارات على جدول الأولويات، وإعادة استثمارها، وتخصيصها للمنفعة العامة، سواء من خلال نقل ملكيتها أو تخصيصها أو تأجيرها وفق الأصول القانونية، بما يضمن الحفاظ عليها وتحويلها إلى مشاريع تخدم أهلنا في جنوب القدس.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم: لماذا لم نرَ حتى الآن استجابة عملية توازي حجم المشكلة؟

جنوب القدس ليس منطقة هامشية. إنها منطقة ذات أهمية وطنية واستراتيجية، وهي بحاجة إلى حضور فلسطيني مؤسساتي وتنموي فاعل، وإلى تعزيز صمود أهلها، وتوفير الخدمات التي يحتاجون إليها.

فهل يعقل أن تبقى أراضٍ تقدر قيمتها بملايين الدولارات بلا استثمار، بينما المنطقة بحاجة إلى مستشفى يخدم سكانها، ومجمع للدوائر الحكومية، ومركز شرطة حديث، ومراكز خدمات اجتماعية، ومدارس ومرافق عامة، وحدائق ومساحات خضراء؟

وهل من المنطقي أن نبقى نتحدث عن تعزيز صمود المقدسيين، فيما نترك أصولنا وممتلكاتنا دون استثمار أو حماية أو توظيف في خدمة هذا الصمود؟

إن الاستثمار في هذه العقارات ليس ترفًا، بل هو جزء من معركة الحفاظ على الأرض والوجود والهوية. فكل مبنى فلسطيني يعمل ويقدم خدمة للمواطن هو حضور فلسطيني، وكل أرض فلسطينية مستثمرة ومحمية هي تثبيت للوجود، وكل مؤسسة وطنية تقام في جنوب القدس هي رسالة بأن الفلسطينيين قادرون على إدارة مقدراتهم وبناء مؤسساتهم رغم كل الظروف.

المطلوب: جرد شامل ومحاسبة إدارية

المطلوب اليوم، وبشكل عاجل، تشكيل لجنة وطنية مستقلة تضم ممثلين عن الجهات الرسمية والتنظيمية والرقابية، لإجراء جرد شامل لكل العقارات والأراضي المملوكة أو المسجلة باسم حركة فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية في القدس ومحيطها، وخاصة في مناطق جنوب القدس.

يجب أن يتضمن هذا الجرد:

تحديد الملكية القانونية لكل عقار وقطعة أرض.
تحديد الجهة المسؤولة عن الإدارة والإشراف.
تقييم الوضع الإنشائي والقانوني لكل مبنى.
تحديد قيمة العقارات والأراضي السوقية والتقديرية.
معرفة أسباب توقف المشاريع غير المكتملة.
تحديد الأموال التي أنفقت على كل مشروع.
وضع جدول زمني واضح لإعادة تشغيل العقارات أو استثمارها.
نشر تقرير رسمي للرأي العام حول النتائج، وفق ما تسمح به القوانين والأنظمة.

ولا بد هنا من التأكيد أن المساءلة لا تعني بالضرورة توجيه الاتهام لأشخاص بعينهم، وإنما تعني تحديد المسؤوليات المؤسسية بوضوح، ومعرفة أين حدث الخلل، ومن كانت لديه صلاحية القرار، ولماذا لم تتم معالجة المشكلة طوال السنوات الماضية.

تحويل العقارات المهملة إلى مؤسسات تخدم الناس

بدل أن تبقى هذه الأبنية والأراضي مغلقة أو مهجورة، يمكن تحويلها إلى مشاريع ذات أولوية وطنية، ومن بينها:

أولًا: إنشاء مجمع حكومي في جنوب القدس يضم عددًا من الوزارات والمؤسسات الرسمية، بحيث يوفر خدمات مباشرة للمواطنين ويخفف عنهم عناء الوصول إلى مراكز المدن.

ثانيًا: تخصيص أحد العقارات لإنشاء مستشفى أو مركز طبي تخصصي، بالشراكة مع القطاع الخاص أو المؤسسات الدولية، إذا تعذر تمويل المشروع من الموازنة العامة.

ثالثًا: إعادة تأهيل مبنى المجلس التشريعي واستثماره كمجمع مؤسساتي أو مركز وطني للدراسات والبحوث أو مؤسسة عامة، أو إعادة تفعيله مستقبلًا وفق التطورات السياسية والدستورية، بدل تركه فريسة للإهمال.

رابعًا: إقامة مركز شرطة وأمن مجتمعي متطور يخدم المنطقة، ضمن رؤية أمنية ومدنية تراعي خصوصية القدس وظروفها.

خامسًا: إنشاء حدائق عامة ومساحات خضراء في الأراضي التي يمكن تخصيصها لهذا الغرض، لأن المناطق السكنية في جنوب القدس بحاجة ماسة إلى متنفسات عامة ومرافق مجتمعية.

سادسًا: الدخول في شراكات استثمارية مدروسة مع القطاع الخاص، بحيث يتم استثمار بعض العقارات تجاريًا وفق عقود شفافة، وتوظيف عوائدها في دعم الخدمات العامة أو مشاريع الصمود في القدس.

فتح والسلطة أمام مسؤولية تاريخية

إن حركة فتح، باعتبارها حركة وطنية كبرى، مطالبة بأن تنظر إلى ممتلكاتها باعتبارها أمانة وطنية وليست مجرد أصول جامدة. وكذلك فإن السلطة الوطنية مطالبة بإدارة المال العام وفق أعلى معايير الكفاءة والشفافية وحسن الاستخدام.

لا يجوز أن تبقى الممتلكات الوطنية بلا إدارة فاعلة، ولا يجوز أن تتحول الأراضي والمباني إلى عبء بدل أن تكون رافعة للتنمية والصمود.

وفي المقابل، فإن الحكومة مطالبة بأن تضع ملف العقارات غير المستغلة في القدس على طاولة الأولويات، وأن تتعامل معه باعتباره جزءًا من استراتيجية وطنية لتعزيز الوجود الفلسطيني في المدينة ومحيطها.

لقد آن الأوان للانتقال من ثقافة السؤال إلى ثقافة الفعل.

نحن لا نحتاج إلى مزيد من اللجان التي تنتهي أعمالها دون نتائج، ولا إلى المزيد من المخاطبات التي تبقى حبيسة الأدراج. ما نحتاجه هو قرار سياسي وإداري واضح، وخطة زمنية محددة، وجهة مسؤولة، وموازنة، وآلية تنفيذ، ومساءلة حقيقية.

فإذا كانت لدينا أراضٍ تساوي ملايين الدولارات، فلماذا لا نستثمرها؟

وإذا كانت لدينا مبانٍ قائمة، فلماذا لا نعيد تأهيلها؟

وإذا كانت لدينا منشآت غير مكتملة، فلماذا لا نكملها؟

وإذا كانت مناطق جنوب القدس بحاجة إلى مستشفى ومجمع حكومي ومركز شرطة وحدائق عامة، فلماذا لا نستخدم أصولنا الوطنية لخدمة هذه الاحتياجات؟

هذه ليست أموالًا مجهولة المالك، وليست أملاكًا خاصة يمكن تركها مهملة. إنها أصول وطنية، بعضها ملك لحركة فتح، وبعضها من المال العام، وبالتالي فإن الحفاظ عليها واستثمارها مسؤولية وطنية وأخلاقية وقانونية.

إن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: من المسؤول عن إهمال هذه العقارات؟

بل أيضًا: متى سنتحمل جميعًا مسؤوليتنا في إنقاذها واستثمارها؟

فالأرض التي لا نستثمرها، والمبنى الذي نتركه مهجورًا، والمال الذي ننفقه ثم نترك المشروع ناقصًا، كلها خسارة مضاعفة: خسارة في المال، وخسارة في الفرصة، وخسارة في الحضور الوطني.

والقدس، في هذه المرحلة تحديدًا، لا تحتمل المزيد من الإهمال.

لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بشفافية، ووضع كل عقار أمام مسؤولية واضحة، وكل أرض أمام خطة، وكل مبنى أمام وظيفة، وكل مال عام أمام رقابة ومساءلة.

فالقدس تحتاج إلى أن نبني فيها، وأن نستثمر فيها، وأن نحمي وجودنا فيها، لا أن نترك مقدراتنا الوطنية مهملة أمام أعين الناس.

תגים

שתף את דעתך

عقارات فتح والسلطة في جنوب القدس... ثروة مهدرة وأسئلة تبحث عن إجابة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.