نعيب في زماننا على العرب في الجاهلية الحروبَ التي كانوا يخوضونها فيما بينهم، لدرجة السخرية والاستخفاف بعقولهم وطريقة تصرفهم ومعالجتهم للأمور، معللين ذلك بأن أسباب تلك الحروب سخيفة لدرجة لا يرتضيها ذو عقل سليم. وللحقيقة والإنصاف، لا بد من تفكيك أسباب تلك الحروب، وعدم وضع الأمور كلها في سلة واحدة، وعدم الحكم المطلق عليها أو التعميم الشامل تجاهها.
فحروب العرب في الجاهلية - أياً كانت أسبابها- هي نتاج مفاهيمَ متجذرةٍ في أعماقهم، سواء كانت هذه المفاهيم سخيفة تافهة أم راقية وذات قيمة، وهنا الحديث عن "الأيام المشهورة" لتلك الحروب والنزاعات والصراعات. فحرب البسوس التي استمرت قرابة الأربعين سنة بين بني بكر وتغلب لم تكن بسبب قتل ناقة كما يتوهم البعض، بل كانت من أجل مفهوم راقٍ عند العرب، وهو حماية من يستجير بهم ومن في ذمتهم، وهذا جزء من كرامة العربي في الجاهلية، فلذلك لم تكن تلك الحرب من أجل ناقة قُتلت، بل من أجل كرامة دِيسَت ومشاعر أُهينت، وإن كان مقتل ناقة البسوس هو القشة التي قصمت ظهر البعير، والشرارة التي أشعلت نيران الحرب وفتيلها.
في المقابل، وعند إمعان النظر، لا نجد أن حروبنا الداخلية (التي تحصل بين أبناء الأمة) في العصر الحديث هي نتاج مفاهيم - راقية أو منحطة- بل هي في واقعها خدمة للدول الاستعمارية، فدماء أبنائنا تسيل أنهاراً، ومجتمعاتنا تُحطَّم وتُدمَّر، وثرواتنا تذهب سدىً، والمستعمر يقطف ثمرة حروبنا وصراعنا ونحن نتجرع المرارة والحنظل. فأيُّ تلك الحروب - حروب الجاهلية أم حروبنا اليوم- تكون في موضع سخرية وتندُّر واستحقار أكثر؟! وأيهما أسخف وأنذل: القتال لمفاهيم - ولو تافهة- أم القتال بتوجيه العدو ولمصالحه؟! رغم أن القتال بين أبناء الأمة قديماً وحديثاً شيء مرفوض وجريمة نكراء.
إن حروب العرب في الجاهلية طُويت صفحتها ببعثة رسالة الإسلام، فالإسلام جمعهم على فكر واحد في دولة واحدة، فأصبحوا بذلك أسياد الدنيا، وتحولوا من قبائل مشتتة ومتنازعة متناحرة إلى أمة واحدة ذات يد واحدة تحمل رسالة أممية سامية، ومن رعاة إبل وغنم إلى رعاية أمم وشعوب، فحملوا مشعل الحضارة والنور للناس كافة. وهكذا ستدور الدائرة، فهذه الأمة التي تحترب ويقتل بعضها بعضاً اليوم، وتدور في فلك خدمة المستعمر ومخططاته، وجب عليها أن تُغيِّر مفاهيمها ومن ثم يلتئم شملها، فتنهض وتتحد في كيان سياسي واحد يقوم على أساس فكرها ومبدئها، فتكون حزمة قوية متينة تعود لتسود الدنيا، وتحمل مشعل النور والرحمة للعالم أجمع، فتخرجه من جور وظلم الفكر الرأسمالي الظلامي المتوحش إلى عدل ورحمة فكر الأمة الحق.





שתף את דעתך
حروب الجاهلية وحروبنا اليوم!