تستعد الولايات المتحدة لإحياء الذكرى الـ250 لتأسيسها في ظل مشهد اجتماعي وسياسي معقد، حيث تبرز المنظمات غير الربحية كلاعب محوري في صياغة مستقبل البلاد. وتعد فكرة التنظيم الطوعي غريزة متأصلة لدى الأمريكيين منذ نشأة الحركات الاجتماعية الكبرى، من إلغاء العبودية وصولاً إلى الحقوق المدنية، مما جعل المجتمع المدني ركيزة أساسية للديمقراطية.
تشير البيانات الرسمية لعام 2024 إلى وجود أكثر من مليوني منظمة مسجلة، تدير أصولاً مالية ضخمة تقدر بنحو 1.2 تريليون دولار، وهو ما يعادل ميزانيات دول كبرى. هذا الثقل المالي والتنظيمي يمنح هذه الجمعيات قدرة فائقة على التأثير في السياسات العامة وتوجيه الرأي العام نحو أقصى اليمين أو أقصى اليسار، متجاوزة أحياناً دور المؤسسات الحكومية الرسمية.
تاريخياً، بدأ هذا الحراك المدني قبل إعلان الاستقلال بنحو نصف قرن، وتحديداً في عام 1727 حين أسس بنجامين فرانكلين 'جونتو كلوب' في فيلادلفيا. كانت هذه البدايات تهدف إلى تعزيز التكاتف المجتمعي وحل المشكلات المحلية بعيداً عن السلطة المركزية، مما أرسى قواعد ما يعرف اليوم بـ 'القطاع الثالث' المستقل عن الحكومة والسوق.
يرى الفيلسوف الفرنسي ألكسيس دو توكفيل في كتاباته الكلاسيكية أن سر قوة الديمقراطية الأمريكية يكمن في هذه الجمعيات التي تحمي الأفراد من استبداد الدولة. واعتبر أن ميل الأمريكيين لتشكيل جمعية لكل غرض، سواء كان صغيراً أو كبيراً، يمثل ترياقاً فعالاً ضد الانعزالية الفردية ويضمن توزيع القوى داخل المجتمع بشكل لامركزي.
لكن هذا الإرث يواجه اليوم تحدياً غير مسبوق مع صعود حركة 'ماغا' (اجعل أمريكا عظيمة مجدداً)، التي أعادت تعريف العمل المدني بصبغة يمينية قتالية. لم تعد الحركة مجرد شعار انتخابي لدونالد ترمب، بل تحولت إلى أيديولوجيا عابرة للهياكل الحزبية التقليدية، تتبنى مواقف حادة تجاه الهجرة والتعددية الثقافية والمؤسسات الليبرالية.
يبرز الانقسام داخل المعسكر الجمهوري بين التيار التقليدي المحافظ وتيار 'ماغا' الأكثر راديكالية، حيث يميل الأخير إلى تصديق نظريات المؤامرة والتشكيك في نزاهة المؤسسات. هذا التحول أدى إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد، حيث يرى أنصار اليمين الجديد أن التعددية الثقافية هي السبب الرئيس وراء تراجع المكانة الأمريكية العالمية.
في سياق متصل، عاد مصطلح 'الدولة العميقة' ليتصدر النقاش العام في أمريكا، حيث يعتقد قطاع واسع من المواطنين بوجود شبكة خفية من البيروقراطيين تدير البلاد. وتتراوح التقديرات بين من يراها مؤامرة لتقويض الإرادة الشعبية، ومن يراها، مثل فرانسيس فوكوياما، ضمانة للاستقرار المؤسسي وحماية الدولة من تقلبات السياسة الحزبية.
المجتمع المدني في أميركا أقدم من الحكومة الوطنية الرسمية، وهو اليوم يقف عند مفترق طرق تاريخي يحدد هوية الدولة في قرنها الثالث.
لقد أسهمت أحداث درامية، مثل اقتحام مبنى الكابيتول في يناير 2021، في تسليط الضوء على حركات مثل 'كيو أنون' التي تؤمن بحروب سرية داخل أجهزة الدولة. هذه الحركات تعكس تحولاً في مفهوم المنظمات المدنية من أدوات للإصلاح الاجتماعي إلى منصات لنشر أفكار ترفض الآخر وتدعو إلى تغييرات جذرية في بنية النظام الديمقراطي.
على الجانب الآخر، تجد المنظمات الحقوقية التقليدية التي ناضلت لعقود من أجل المساواة نفسها في وضع دفاعي أمام تقليص التمويل وحملات التشويه. وتواجه هذه الجمعيات تحدي البقاء في بيئة سياسية باتت تعتبر قيم التنوع والدمج أهدافاً للهجوم، مما يهدد المكتسبات التي تحققت خلال حركة الحقوق المدنية في القرن الماضي.
شهد عام 2025 حادثة مفصلية تمثلت في اغتيال الناشط اليميني شارلي كيرك، مما عكس حجم الاحتقان الذي وصل إليه الشارع الأمريكي. كيرك، الذي قاد منظمة 'تيرنينغ بوينت أميركا'، كان يمثل صوتاً قوياً للشباب اليميني، واغتياله فتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول حدود العنف السياسي في ظل غياب الحوار الوطني.
إن التداخل بين المجمع الصناعي العسكري، ونخب وول ستريت، والوكالات الاستخباراتية يشكل جوهر ما يوصف بالدولة العميقة التي يخشاها اليمين واليسار على حد سواء. هذا التشابك يجعل من الصعب على أي رئيس قادم، بغض النظر عن انتمائه، إحداث تغيير جذري في السياسات الخارجية أو الاقتصادية الكبرى للولايات المتحدة.
مع دخول أمريكا عامها الـ251، يبدو أن المجتمع المدني سيبقى الساحة الرئيسة لحسم الصراع على هوية الدولة. فإما أن تنجح المنظمات في إعادة ضبط زوايا الأيديولوجيا نحو التسامح، أو أن يستمر الانزلاق نحو اليمينية القومية التي قد تعيد صياغة المعايير الديمقراطية الأمريكية بشكل كامل.
تؤكد الدراسات أن الأجيال الشابة، التي تمثل قوة تصويتية ضخمة، قد تكون هي المرجح في هذا الصراع التاريخي، حيث تختلف أنماط تصويتها وتوجهاتها عن الأجيال الأكبر. هذا التغير الديموغرافي قد يفرض على المنظمات اليمينية والليبرالية على حد سواء تطوير أدواتها لمخاطبة واقع أمريكي جديد يتسم بالتنوع رغم محاولات الانغلاق.
في الختام، تظل 'أمة المنضمين' أمام اختبار عسير لمبادئ التأسيس التي وضعت قبل قرنين ونصف، حيث يتصارع إرث الحرية مع نزعات الإقصاء. إن مستقبل الولايات المتحدة كقوة عظمى يعتمد بشكل أساسي على قدرة هذه المنظمات على استعادة دورها كوسيط نزيه بين الشعب والسلطة، بعيداً عن الاستقطاب المدمر.





שתף את דעתך
المجتمع المدني الأمريكي في ذكرى التأسيس الـ250: صراع الهوية بين إرث التعددية وصعود اليمين