א 05 יול 2026 10:24 am - שעון ירושלים

هل تدخل إسرائيل مرحلة الفاشية الكاملة؟

إن الأزمة التي تشهدها إسرائيل اليوم لا تمثل انقطاعاً عن تاريخها السياسي، بل تمثل امتداداً لمسار طويل من إعادة تشكيل الدولة وفق متطلبات المشروع الاستعماري الاستيطاني.
حيث لا تبدو الأزمة الأخيرة بين الحكومة الإسرائيلية والمحكمة العليا مجرد خلاف قانوني حول صلاحيات المؤسسات، بل تعكس صراعاً أعمق على طبيعة النظام السياسي الذي يتشكل داخل إسرائيل. فالتشكيك المتصاعد بقرارات المحكمة، والدعوات الصادرة عن شخصيات في ائتلاف نتنياهو – بن غفير – سموتريتش إلى الحد من سلطاتها أو تجاوز أحكامها، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المسار الذي بدأ قبل حرب الإبادة على غزة، عندما طرحت حكومة بنيامين نتنياهو مشروعها لإعادة تشكيل السلطة القضائية وإخضاعها لهيمنة السلطة التنفيذية.
لقد شهدت إسرائيل في مطلع عام ٢٠٢٣ أكبر موجة احتجاجات في تاريخها، اعتراضاً على ما سُمّي بـ"الإصلاح القضائي".
ولم يكن الاعتراض حينها محصوراً بالأحزاب المعارضة، بل امتد إلى الأوساط الأكاديمية والاقتصادية والعسكرية، ووصل إلى آلاف من جنود الاحتياط الذين حذروا من أن المساس باستقلال القضاء يهدد تماسك الدولة ومؤسساتها.
وعندما اندلعت حرب الإبادة على غزة، تراجع هذا الصراع مؤقتاً تحت وطأة التعبئة العسكرية، لكنه لم ينته، بل عاد اليوم بصورة أكثر حدة، بعدما أصبح أكثر ارتباطاً بمستقبل الائتلاف الحاكم نفسه.
غير أن قراءة هذه الأزمة تستوجب الحذر من الوقوع في فرضية شائعة، مفادها أن إسرائيل كانت نموذجاً "ديمقراطياً" مستقراً ثم بدأت اليوم تنحرف نحو السلطوية المطلقة. فهذا التوصيف يتجاهل حقيقة أن المشروع الصهيوني قام منذ نشأته على أساس استعماري استيطاني لا يمكن ان يكون ديمقراطيا، وأن الشعب الفلسطيني لم يكن يوماً جزءاً من "الديمقراطية" التي طالما جرى تسويقها باعتبارها السمة المميزة لإسرائيل.
فمنذ تأسيسها على حساب حقوق شعبنا الفلسطيني وأرضه ومقدراته، اقترنت مؤسسات الدولة بالاستيطان الاستعماري، ومصادرة الأرض، والاحتلال، والتمييز العنصري، وإنكار الحقوق الوطنية، ومحاولات طمس الهوية الفلسطينية وتصفية القضية الوطنية.
لذلك، فإن التحول الجاري لا يتمثل في انتقال إسرائيل من "الديمقراطية" إلى الفاشية، بل في انتقالها من نظام أستعماري استيطاني احتفظ داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بقدر من التوازنات المؤسسية، إلى نظام أكثر تطرفاً، تتراجع فيه حتى تلك القيود الداخلية التي كانت تضبط العلاقة بين السلطات، وتمنح الدولة صورة مؤسساتية أمام العالم.
لكن التوقف عند الأزمة الدستورية وحدها لا يكفي لفهم المشهد الإسرائيلي، فبرغم الانقسام الحاد بين الحكومة والمعارضة حول القضاء وحدود صلاحيات السلطة التنفيذية، تكشف المواقف السياسية والبرامج الانتخابية لمعظم الأحزاب الصهيونية عن إجماع يكاد يكون كاملاً حول القضية الجوهرية، وهي رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وفق قرارات الشرعية الدولية والقانون الدولي.
والأهم من ذلك أن هذا الإجماع لا يقتصر على القضايا الداخلية، بل يمتد إلى جوهر الصراع مع الشعب الفلسطيني. فكافة الأحزاب الصهيونية، وإن اختلفت في اللغة والأسلوب، تلتقي على رفض الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة، والإبقاء على السيطرة الإسرائيلية على القدس وعلى معظم الأراضي وحقها بتوسيع الاستيطان فيها وهي المنطقة المصنفة (ج) وفق اتفاق أوسلو، وعلى الحدود والمعابر والأمن والموارد الطبيعية، مع طرح صيغ مختلفة لحكم ذاتي فلسطيني محدود الصلاحيات، يقوم على إدارة السكان داخل معازل جغرافية منفصلة، إلى جانب ترتيبات خاصة بقطاع غزة لا تنطلق من إنهاء الاحتلال، بل من إعادة تنظيم إدارته واستمرار مخاطر التهجير، ولا سيما في قطاع غزة ومخيمات اللاجئين في الضفة الغربية.
وهذا يعني أن الصراع داخل إسرائيل ليس صراعاً بين مشروع سلام ومشروع أحتلال، بل بين رؤى مختلفة لإدارة المشروع الاستعماري الاستيطاني ذاته. ولذلك، فإن الرهان على تغيير الحكومة وحده، أو على نتائج الانتخابات المقبلة للكنيست في نوفمبر القادم، بوصفه مدخلاً لتغيير جوهري في السياسة الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، لا يجد ما يسنده في البرامج السياسية المعلنة لمجمل القوى الصهيونية، وقد تكون بذلك ملهاة سياسية يريد البعض ان ينشغل بها.
ومن هنا، فإن السؤال المطروح اليوم لا يقتصر على ما إذا كانت إسرائيل تتجه نحو أزمة دستورية، بل ما إذا كانت تدخل مرحلة جديدة من تطور مشروعها السياسي، تتراجع فيها حتى القيود المؤسسية التي حكمت بنيتها الداخلية لعقود، لصالح نموذج أكثر اندماجاً بين الاستعمار الاستيطاني، والقومية الدينية المتطرفة، وتركيز السلطة التنفيذية.
وقد يكون لهذا التحول بعد آخر لا يقل أهمية، فمع تنامي الأصوات الناقدة لإسرائيل داخل المجتمع الأمريكي، ولا سيما بين الأجيال الشابة، وفي الأوساط الأكاديمية، وداخل قطاعات متزايدة من الحزب الديمقراطي، قد يسعى اليمين الإسرائيلي إلى تحصين مشروعه السياسي داخلياً، وتقليص أي قيود مؤسسية يمكن أن تحد من سياساته، استعداداً للتعامل مع بيئة دولية قد تصبح أقل تساهلاً مما كانت عليه في العقود الماضية. وفي هذا السياق، قد لا يكون تغوّل السلطة التنفيذية مجرد شأن داخلي، بل جزءاً من استراتيجية تهدف إلى تعزيز قدرة الحكومة على مواجهة أي ضغوط خارجية مستقبلية.
ولا يزال من المبكر الجزم بأن إسرائيل دخلت بالفعل مرحلة الفاشية الكاملة، لكن المؤشرات تستحق قراءة جدية. فعندما تصبح السلطة القضائية هدفاً لحملات نزع الشرعية، وعندما يعاد تشكيل مؤسسات الدولة لخدمة مشروع أيديولوجي عنصري، وعندما تُستخدم الحرب الممتدة لتعزيز تركيز السلطة وإضعاف الرقابة، فإن الأمر يتجاوز حدود الخلاف السياسي التقليدي، ليعكس تحولاً في طبيعة النظام، يكتسب بصورة متزايدة سمات سلطوية وفاشية في بنيته السياسية وممارساته.
إن ما يجري اليوم لا يغيّر جوهر المشروع الاستعماري الاستيطاني الذي قامت عليه إسرائيل، بل يكشفه بصورة أكثر وضوحاً وصراحة. فما كان يُقدَّم لعقود بوصفه "واحة للديمقراطية" يتعرّى اليوم أمام تناقضاته الداخلية، في الوقت الذي يستمر فيه الإجماع الصهيوني على إنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية ورفض أي مشروع سياسي قد يؤدي لاي تسوية تاريخية تسقط مشروعهم الاستعماري.
ومن هنا، فإن التحولات الجارية داخل إسرائيل لا تفرض فقط إعادة قراءة طبيعة نظامها السياسي، بل تفرض أيضاً مراجعة كثير من المسلمات التي حكمت التفكير السياسي الفلسطيني خلال العقود الماضية. فإذا كانت الخلافات الإسرائيلية تدور حول شكل الحكم وآليات توزيع السلطة، بينما يظل الرفض لقيام الدولة الفلسطينية محل إجماع بين كافة القوى الصهيونية، فإن المشروع الوطني التحرري الفلسطيني يصبح مطالباً بإعادة بناء استراتيجيته انطلاقاً من هذه الحقيقة، لا من الرهان على تبدل الحكومات الإسرائيلية، بل على تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية الواسعة، واستثمار التحولات في النظام الدولي وتعزيز التضامن المشترك مع كافة القوى التقدمية حول العالم بما فيها اليهودية المعادية للصهيونية، ومواصلة النضال السياسي والقانوني والشعبي المقاوم حتى إنهاء الاحتلال وتجسيد حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.

* عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".

תגים

שתף את דעתך

هل تدخل إسرائيل مرحلة الفاشية الكاملة؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.