رسالة واشنطن
واشنطن – سعيد عريقات – 5/7/2026
مقال رأي
احتفلت الولايات المتحدة، يوم السبت 4 تموز ، بالذكرى الـ250 لتأسيسها، في مشهد طغت عليه مظاهر الاحتفال الوطني واستعراض القوة العسكرية والتكنولوجية والاقتصادية التي جعلت منها الدولة الأكثر نفوذاً في العالم. وقدّم الخطاب الرسمي المناسبة بوصفها تتويجاً لقرنين ونصف من النجاح الديمقراطي والاستقرار الدستوري والريادة العالمية، مؤكداً صورة الولايات المتحدة باعتبارها نموذجاً للحرية وقيادة النظام الدولي.
غير أن هذه الرواية الاحتفالية تخفي وجهاً آخراً من التاريخ الأميركي، وجهاً لا يقل أهمية عن قصة الديمقراطية والدستور، بل ربما يفسر جانباً كبيراً من صعود الولايات المتحدة إلى موقعها الحالي. فثمة قراءة تاريخية متنامية ترى أن الولايات المتحدة لم تتحول إلى إمبراطورية بعد الحرب العالمية الثانية أو مع نهاية القرن التاسع عشر، وإنما وُلدت إمبراطورية منذ إعلان استقلالها عام 1776. ووفق هذه المقاربة، فإن التوسع، والاستيلاء على الأراضي، وإخضاع الشعوب الأصلية، ثم مد النفوذ خارج الحدود، لم تكن مراحل منفصلة في تاريخ الدولة، بل كانت المشروع الذي قامت عليه الجمهورية منذ نشأتها.
ومن هذا المنطلق، لا يُنظر إلى التاريخ الأميركي بوصفه مسيرة متواصلة نحو الحرية فحسب، وإنما أيضاً باعتباره تاريخاً لبناء قوة توسعية استخدمت القانون، والمؤسسات، والجيش، والاقتصاد لتكريس نفوذها داخل القارة الأميركية ثم على مستوى العالم. وهكذا يصبح السؤال المطروح في الذكرى الـ250 ليس فقط كيف أصبحت الولايات المتحدة القوة الأعظم في العالم، بل أيضاً: هل كان هذا الصعود ثمرة نموذج ديمقراطي استثنائي، أم نتيجة مشروع إمبراطوري رافق الدولة منذ ولادتها؟
تنطلق هذه القراءة من فرضية مفادها أن التوسع لم يكن نتيجة عرضية لبناء الدولة الأميركية، بل كان الأساس الذي قامت عليه الدولة نفسها. فمنذ الاستقلال، أعلنت الحكومة الجديدة سيادتها على مساحات واسعة كانت مأهولة بشعوب أصلية، واعتبرت التوسع الجغرافي جزءاً من رسالتها الوطنية. ولتحقيق ذلك، سخّرت المؤسسات الدستورية والقوانين الفيدرالية والجيش، بحيث أصبح توسيع رقعة الدولة هدفاً سياسياً دائماً، لا مجرد استجابة لظروف تاريخية متغيرة.
ويفسر هذا الطرح أيضاً سبب تمسك الولايات المتحدة بما يُعرف بـ"الاستثنائية الأميركية"، أي الاعتقاد بأنها تختلف عن الإمبراطوريات الأوروبية لأنها نشأت في ثورة ضد الاستعمار ورفعت شعارات الحرية وتقرير المصير. إلا أن كثيراً من المؤرخين يرون أن الإمبراطوريات لا تُعرّف بامتلاك المستعمرات فحسب، وإنما بقدرتها على فرض علاقات غير متكافئة من القوة والسيطرة. ومن هذا المنظور، فإن الولايات المتحدة مارست سلوكاً إمبراطورياً منذ نشأتها، حتى وإن رفضت استخدام هذا الوصف.
فالاستقلال لم يُنهِ النظام الإمبراطوري الذي كانت تديره بريطانيا، بل نقل مركز السلطة من لندن إلى النخب السياسية الأميركية. وكانت الشعوب الأصلية أول من دفع ثمن هذا التحول، إذ واجهت سلطة جديدة أكثر اندفاعاً نحو الاستيلاء على الأراضي وأقل التزاماً بالاتفاقيات السابقة. وتحولت الحروب ضد القبائل، وسياسات التهجير القسري، ونزع الملكيات إلى أدوات رسمية لبناء الدولة، لا إلى أحداث هامشية في تاريخها.
وفي هذا السياق، يكتسب مفهوم "الاستيطان الاستعماري" أهمية خاصة، لأنه يفسر طبيعة المشروع الأميركي. فالمقصود لم يكن مجرد السيطرة على السكان الأصليين، وإنما إحلال مجتمع جديد محلهم. لذلك أصبحت الأرض هي الهدف الرئيسي، وغدا وجود السكان الأصليين عقبة أمام المشروع الاستيطاني، الأمر الذي أفضى إلى سياسات منظمة للترحيل والإقصاء، جرى تنفيذها عبر مؤسسات الدولة والقانون والقوة العسكرية.
كما لم تكن الحدود الغربية (الغرب الأميركي) فضاءً للفوضى كما تصورها الرواية التقليدية، بل خضعت لإدارة حكومية هدفت إلى تحويل الأراضي المفتوحة إلى ملكيات خاصة وإدماجها في الاقتصاد الأميركي. أما المعاهدات مع السكان الأصليين، فكانت تُستخدم غالباً كحلول مؤقتة إلى أن تصبح عائقاً أمام التوسع، وعندها يجري تجاوزها أو إلغاؤها.
ومع اكتمال السيطرة على القارة الأميركية في أواخر القرن التاسع عشر، لم يتوقف مشروع التوسع، بل غيّر اتجاهه. فقد جاءت الحرب الأميركية الإسبانية عام 1898 لتدشن مرحلة الإمبراطورية العالمية، حيث بسطت واشنطن سيطرتها على الفلبين وبورتوريكو وغوام، لكنها قدمت تدخلها بوصفه مشروعاً لتحرير الشعوب، لا احتلالها.
غير أن الحرب في الفلبين كشفت استمرار الأساليب ذاتها التي استُخدمت في الداخل الأميركي، من حملات عسكرية واسعة، وسياسات الأرض المحروقة، ومعسكرات الاعتقال، وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين. وتبدلت الجغرافيا، لكن فلسفة التوسع بقيت كما هي.
وخلال القرن العشرين، تطورت الإمبراطورية الأميركية من السيطرة المباشرة إلى النفوذ غير المباشر. فلم تعد الحاجة إلى ضم الأراضي قائمة، بل أصبحت الهيمنة تُمارس عبر القواعد العسكرية، والاتفاقيات الأمنية، والهيمنة الاقتصادية، والتأثير في الحكومات، وصياغة المؤسسات الدولية. وبعد الحرب العالمية الثانية، امتلكت الولايات المتحدة القدرة على إعادة تشكيل النظام العالمي بما يخدم مصالحها، دون الحاجة إلى إنشاء إمبراطورية استعمارية بالمعنى التقليدي.
وأثناء الحرب الباردة، اكتسب هذا النفوذ مبرراً أيديولوجياً جديداً هو مواجهة الشيوعية. وباسم هذا الهدف، تدخلت واشنطن في شؤون دول عديدة، وأسهمت في إسقاط حكومات منتخبة ودعم أنظمة سلطوية عندما اعتبرت ذلك ضرورياً لحماية مصالحها الاستراتيجية. وهكذا توسعت الإمبراطورية الأميركية تحت شعارات الأمن والدفاع عن العالم الحر.
ولم يؤد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى انكماش هذا النفوذ، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الهيمنة الأحادية، اتسمت بتوسع حلف شمال الأطلسي، واستمرار الانتشار العسكري الأميركي، وتصاعد التدخلات الخارجية تحت عناوين مكافحة الإرهاب، وحماية الأمن الدولي، ونشر الديمقراطية. وقد تغيرت اللغة السياسية، لكن جوهر العلاقة بين القوة والنفوذ بقي ثابتاً.
وفي الداخل الأميركي، انعكست هذه التحولات على طبيعة الدولة نفسها. فقد توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية، وازدادت الرقابة الإلكترونية، وتعزز حضور المؤسسات العسكرية والأمنية في إدارة الشأن العام، ما دفع عدداً من الباحثين إلى القول إن آثار الإمبراطورية لم تعد تقتصر على السياسة الخارجية، بل امتدت إلى البنية الداخلية للنظام السياسي الأميركي.
ولا تنكر هذه القراءة أن الولايات المتحدة قدمت إسهامات كبرى في تطوير المؤسسات الدستورية والاقتصاد العالمي والابتكار العلمي، ولا تقلل من أهمية المبادئ التي قامت عليها، وفي مقدمتها الحرية والمساواة وسيادة القانون. لكنها تؤكد أن هذه المبادئ تعايشت، منذ البداية، مع مشروع توسعي اعتمد القوة والهيمنة لبناء الدولة وتعزيز مكانتها الدولية.
ومن هنا، فإن الاحتفال بمرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة يفتح الباب أمام مراجعة تاريخية أعمق، لا تكتفي بسرد الإنجازات، بل تتوقف أيضاً عند الكلفة الإنسانية والسياسية لمشروع التوسع. ففهم الولايات المتحدة بوصفها دولة ديمقراطية وإمبراطورية في آن واحد قد يكون أكثر قدرة على تفسير تناقضات سياستها الداخلية والخارجية، وعلى فهم أسباب استمرار الجدل حول دورها في العالم.
ويبقى السؤال الذي تفرضه هذه المناسبة التاريخية مفتوحاً: هل تستطيع الولايات المتحدة، وهي تدخل ربع الألفية الثالث من عمرها، أن تعيد تعريف قوتها بعيداً عن منطق التوسع والهيمنة، أم أن الإرث الإمبراطوري سيظل أحد المكونات الأساسية لهويتها السياسية ودورها العالمي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل السياسة الأميركية، بل ستؤثر أيضاً في شكل النظام الدولي خلال العقود المقبلة.





שתף את דעתך
ولدت إمبراطورية: قراءة مختلفة للولايات المتحدة في عامها الـ250