يواصل الاحتلال الإسرائيلي سياسة تصفية الشهود في قطاع غزة، ضارباً بعرض الحائط كافة المواثيق الدولية التي تكفل حماية الطواقم الإعلامية. ومنذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لم تتوقف الاستهدافات الممنهجة التي طالت 11 صحفياً جديداً، ليرتفع العدد الإجمالي لشهداء الحقيقة إلى 265 صحفياً وصحفية.
تأتي هذه الاغتيالات في سياق محاولات الاحتلال المستمرة لخنق الرواية الفلسطينية ومنع وصول تفاصيل حرب الإبادة إلى الرأي العام العالمي. وقد أثبتت الوقائع الميدانية أن إسرائيل تتعمد استهداف الصحفيين المحليين، تزامناً مع استمرار منع دخول الوفود الصحفية الأجنبية إلى القطاع المحاصر.
في العشرين من يونيو الجاري، انضم المصور أحمد وشاح إلى قائمة الشهداء بعد استهدافه بمسيّرة إسرائيلية داخل منزل في مخيم البريج. وكان وشاح قد ظهر قبل شهرين باكياً يرثي شقيقه الصحفي محمد، مطالباً العالم بالتحرك لحماية زملائه، إلا أن يد الغدر طالته في ذات المخيم الذي نزح إليه.
وفي الثالث عشر من أبريل الماضي، استشهد الصحفي الشاب إسلام هشام قنيطة، البالغ من العمر 28 عاماً، جراء قصف استهدفه وسط مدينة غزة. وكان قنيطة يعمل محرراً في إحدى الوكالات المحلية، ليكون شاهداً جديداً على دموية الاحتلال التي لا تفرق بين ميدان العمل ومناطق النزوح.
أما الصحفي محمد وشاح، فقد اغتيل في الثامن من أبريل حين استهدفت طائرة استطلاع سيارته بشكل مباشر على شارع الرشيد الساحلي. عُرف محمد بشجاعته المهنية العالية وقدرته على نقل معاناة المواطنين من قلب الميدان، قبل أن يتم استهدافه في طريق عودته إلى منزله بمخيم البريج.
ولم تكن الصحفيات الفلسطينيات بمنأى عن هذا الاستهداف، حيث ارتقت الصحفية آمال محمد شمالي في التاسع من مارس الماضي. واستهدفت غارة إسرائيلية خيام النازحين في منطقة السوارحة وسط القطاع، مما أدى إلى استشهادها أثناء قيامها بواجبها المهني والإنساني تجاه المهجرين.
وشهد شهر يناير الماضي مجزرة بحق الطواقم الإعلامية، حيث استشهد ثلاثة صحفيين دفعة واحدة وهم أنس غنيم وعبد الرؤوف شعث وصلاح قشطة. وقع الاستهداف أثناء تواجدهم في مهمة عمل رسمية لتوثيق افتتاح مخيم جديد لإيواء النازحين تشرف عليه جهات إغاثية، مما يؤكد تعمد الاحتلال ضرب أي جهد إعلامي.
أوقفوا الاحتلال عن استهداف الصحفيين.. رسالة يائسة تركها الشهيد أحمد وشاح قبل أن تلحق روحه بشقيقه.
وفي خان يونس، استشهد الصحفي محمود وادي في الثاني من ديسمبر 2025 جراء قصف من مسيّرة إسرائيلية أثناء عمله الميداني. وقع الحادث في منطقة كانت تُصنف ضمن المناطق البعيدة عن العمليات العسكرية، مما يثبت عدم وجود أي مكان آمن للعمل الصحفي في كامل القطاع.
كما طالت الاستهدافات الصحفي محمد المنيراوي في أواخر أكتوبر 2025، حين قصف الاحتلال خيمته في مخيم النصيرات. وفي ذات الشهر، استشهد مهندس البث أحمد أبو مطير إثر غارة جوية دمرت المقر الرئيسي لشركة فلسطين للإنتاج الإعلامي وسط مدينة غزة، في محاولة لتعطيل البث الفضائي.
وكان الناشط والصحفي صالح الجعفراوي أول من ارتقى بعد إعلان الهدنة، حيث استشهد برصاص مسلحين في حي الصبرة بمدينة غزة. وكان الجعفراوي قد تعرض لحملات تشريض وتحريض إسرائيلية واسعة النطاق بسبب تغطيته النشطة والمؤثرة لأحداث الحرب عبر منصات التواصل الاجتماعي.
وتشير تقارير دولية صادرة عن لجنة حماية الصحفيين إلى أن إسرائيل تتحمل المسؤولية عن ثلثي الضحايا من الصحفيين على مستوى العالم. وأكدت اللجنة أن جيش الاحتلال ارتكب عمليات استهداف تفوق ما ارتكبته أي قوة عسكرية أخرى في التاريخ الحديث، مما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي.
من جانبها، اعتبرت مؤسسات حقوقية أن منع دخول الصحفيين الأجانب يمثل ضربة مزدوجة تهدف لفرض السيطرة الكاملة على الرواية. فبينما يتم اغتيال الصحفيين المحليين، يُحرم العالم من وجود مراقبين دوليين مستقلين يمكنهم نقل الحقائق بعيداً عن الرقابة العسكرية الإسرائيلية المشددة.
وفي تطور قانوني، قررت المحكمة العليا للاحتلال في يونيو الجاري استمرار الحظر المفروض على دخول الصحافة الدولية لغزة. وجاء هذا القرار بعد سلسلة من التأجيلات والمماطلات، رغم الالتماسات المتكررة التي قدمتها جمعيات الصحافة الأجنبية للمطالبة بحق الوصول الحر للمعلومات.
تحذر الأوساط الإعلامية الدولية من أن 'تطبيع' قتل الصحفيين في غزة يمثل سابقة خطيرة تهدد حرية الصحافة في العالم أجمع. إن استمرار الإفلات من العقاب يشجع الاحتلال على مواصلة جرائمه، مما يجعل الحقيقة هي الضحية الأولى في ظل صمت دولي مطبق تجاه هذه الانتهاكات الصارخة.





שתף את דעתך
اغتيال الحقيقة.. 11 صحفياً فلسطينياً استشهدوا بنيران الاحتلال منذ إعلان الهدنة