א 21 יונ 2026 7:36 pm - שעון ירושלים

بين التوليب والياسمين المذبوح: لماذا يختار المنفيون تشجيع 'الآخر' في الملاعب؟

تتحول ملاعب كرة القدم في الغرب إلى مسرح لاستعراض الهويات المشروطة، حيث لا تُمنح المواطنة للاعبين ذوي الأصول المهاجرة كحق أبدي، بل كعملة تتقلب قيمتها مع كل صافرة حكم. عندما يحقق اللاعب النصر، يُحتفى به كنموذج لنجاح الاندماج، لكنه يتحول إلى 'غريب' بمجرد الإخفاق.

يرى مراقبون أن المشهد الرياضي ينقلب ببرود قاتل عند أول عثرة؛ فما إن تضل الكرة طريقها نحو المرمى، حتى يتبخر الجواز الأوروبي من شاشات التحليل. يعود اللاعب في نظر الجمهور الغاضب مجرد مهاجر أضاع المجد، وكأن إنجازات الأمس لم تكن سوى وهم عابر في ذاكرة المشجعين.

في السادس والعشرين من حزيران/ يونيو، تتجه الأنظار نحو المواجهة المرتقبة بين هولندا وتونس، وهي مباراة تحمل في طياتها أبعاداً تتجاوز المستطيل الأخضر. يدخل المنتخب التونسي اللقاء مثقلاً بندوب هزائم سابقة، أبرزها تلك التي تسبب فيها لاعب يحمل دماً تونسياً واسماً مألوفاً.

ياسين العياري، الشاب الذي ارتدى قميص السويد، كان هو من قاد المذبحة الكروية ضد تونس بتسجيله أهدافاً حاسمة. المفارقة لم تكن في النتيجة فحسب، بل في الصمت الذي خيم على اللاعب بعد التسجيل، وكأنه يروي حكاية الأوطان التي يخسرها أبناؤها مرتين.

تزامنت هذه الأحداث الرياضية مع صورة رمزية اجتاحت منصات التواصل، دمجت بين وجه المعارض التونسي المنفي ياسين العياري وجسد اللاعب السويدي. لقد بدت الرسالة مزدوجة؛ ضربة سياسية من المنفى، وأخرى رياضية من وراء خط المنتصف، وكلاهما أصاب الهدف ذاته.

على صعيد آخر، تبرز أزمة المنتخب الإيراني في الولايات المتحدة كدليل على تغلغل السياسة في الرياضة. فقد واجه الفريق صعوبات بيروقراطية جمة، من حجب التأشيرات إلى فرض معسكرات معزولة، مما جعل اللاعبين يجرون خلفهم أثقال النزاعات الدولية التي لم يصنعوها.

أفادت مصادر بأن العدالة لا يجب أن تفقد معناها حتى عندما يتعلق الأمر بالخصوم السياسيين، فالظلم يظل ظلماً. إن إقحام الرياضيين في صراعات النفوذ والانتقام السياسي يضرب جوهر الروح الرياضية التي يُفترض أن تتجاوز حدود الدول وصراعات الأنظمة.

يبدو المشهد الرياضي العالمي أحياناً كعرض مسرحي يُقام فوق ركام الأزمات، حيث تُستخدم المبادئ كشعارات موسمية تُستخرج عند الحاجة وتُخفى عند التعارض مع المصالح. هذا التناقض يظهر بوضوح في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان بين بطولة وأخرى بحسب الدولة المستضيفة.

عند مقارنة مونديال قطر بالبطولات المقامة في أمريكا، يبرز نفاق واضح في الخطاب الإعلامي الغربي. فبينما كانت الدروس الأخلاقية تُلقى يومياً في الدوحة، نجد صمتاً مريباً تجاه منع المشجعين والصحفيين الأفارقة من عبور الحدود الأمريكية بسبب تعقيدات التأشيرات.

يصف البعض هذا الوضع بـ 'البياض الملطخ'، حيث تصبح حقوق الإنسان سلعة فاخرة لا تُرفع لواءاتها إلا لتزييف الحقيقة أو خدمة أجندات معينة. إن ازدواجية المعايير في عالم الرياضة باتت تلوث نقاء المنافسة وتحولها إلى أداة للهيمنة الثقافية والسياسية.

بالعودة إلى الشأن التونسي، يستذكر الكثيرون زخم ثورة الياسمين التي أشرقت من سيدي بوزيد لتعطي الأمل بالحرية. لكن هذا الأمل اصطدم بواقع سياسي جديد منذ إجراءات يوليو 2021، التي يراها البعض انقلاباً على المسار الديمقراطي وإعادة لإحكام قبضة الفرد على الدولة.

هذا الانكسار السياسي ولد شعوراً بالاغتراب لدى الكثير من التونسيين في الخارج، الذين باتوا يجدون في بلدان المهجر ملاذاً للحرية يفتقدونه في وطنهم الأم. ومن هنا ينبع الانقسام الوجداني في تشجيع المنتخبات الوطنية التي يُنظر إليها أحياناً كواجهة للنظام.

في مواجهة هولندا وتونس، يختار البعض الانحياز لـ 'التوليب' الهولندي ليس نكرانًا للأصل، بل احتجاجاً على واقع الياسمين المذبوح. إنها لحظة مؤلمة يضطر فيها المرء للمفاضلة بين أرض الميلاد وأرض المواطنة والحرية التي احتضنته في سنوات المنفى.

ستظل كرة القدم لغة عالمية، لكنها في السادس والعشرين من يونيو ستكون بالنسبة للكثيرين اختباراً للوفاء والمبادئ. وحتى يستعيد الوطن عافيته وديمقراطيته، سيبقى الانحياز مؤجلاً، وستبقى القلوب معلقة بين ذاكرة الأماكن ونجاة الأرواح في بلاد الغربة.

תגים

שתף את דעתך

بين التوليب والياسمين المذبوح: لماذا يختار المنفيون تشجيع 'الآخر' في الملاعب؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.