شهد مضيق هرمز، الممر المائي الأكثر استراتيجية في العالم، انتعاشاً ملحوظاً في حركة الملاحة التجارية خلال الساعات الأخيرة، مسجلاً أعلى وتيرة عبور منذ أكثر من شهرين. وتأتي هذه التطورات في أعقاب تفاهمات أولية بين طهران وواشنطن، تهدف إلى تخفيف التوترات وضمان تدفق إمدادات الطاقة العالمية عبر هذا الشريان الحيوي.
ووفقاً لبيانات متخصصة في تتبع حركة السفن، فقد عبرت نحو 25 سفينة تجارية المضيق في يوم واحد، وهو رقم يمثل خمسة أضعاف المعدلات التي سجلت في مطلع شهر يونيو الجاري. ويعكس هذا الارتفاع المفاجئ استجابة سريعة من شركات الشحن العالمية للاتفاقيات الجديدة التي تضمن سلامة المرور وتقليل التكاليف التشغيلية.
وفي خطوة لتعزيز هذا المسار، أعلنت الهيئة الإيرانية المسؤولة عن إدارة المضيق عن تقديم تسهيلات غير مسبوقة تشمل إعفاء السفن من رسوم العبور والخدمات الأمنية والبيئية. وستستمر هذه الإعفاءات طوال فترة التفاوض الممتدة لستين يوماً، وذلك بموجب مذكرة التفاهم الموقعة مؤخراً مع الجانب الأمريكي لتسهيل حركة التجارة.
وعلى الرغم من هذا التحسن، تشير التقارير الفنية إلى أن حركة العبور لا تزال بعيدة عن مستوياتها الطبيعية التي كانت تسبق اندلاع المواجهات العسكرية. فالمعدل الحالي البالغ 25 سفينة لا يزال ضئيلاً مقارنة بـ 120 سفينة كانت تعبر المضيق يومياً قبل الأزمة، مما يشير إلى وجود مخاوف أمنية لا تزال قائمة لدى بعض الناقلات.
من جانبها، أكدت مصادر مطلعة أن القوات الإيرانية وضعت شروطاً تنظيمية صارمة لضمان سلامة الملاحة في المناطق التي تأثرت بالألغام البحرية خلال الفترة الماضية. ويتعين على السفن الراغبة في العبور تقديم طلبات مسبقة قبل 48 ساعة، والالتزام بمسارات محددة بدقة لتفادي أي حوادث عرضية قد تعرقل مسار التفاهمات السياسية.
وفي واشنطن، كشف مسؤول أمريكي رفيع أن الإدارة الأمريكية بدأت بالفعل في تنفيذ بنود مذكرة التفاهم، بما في ذلك السماح لإيران باستئناف بيع النفط والوقود بشكل فوري. وأوضح المسؤول أن رفع العقوبات يشمل كافة الخدمات المرتبطة بقطاع الطاقة، مثل التأمين والنقل والتعاملات المصرفية الضرورية لإتمام الصفقات التجارية.
ومع ذلك، ربطت الولايات المتحدة استمرار هذه التسهيلات بمدى التزام طهران ببنود الاتفاق الجوهرية، وعلى رأسها ضمان حرية الملاحة الكاملة في مضيق هرمز. كما تشمل الشروط الأمريكية التخلص من المواد النووية المخصبة وعدم التدخل في حركة السفن الدولية، محذرة من أن أي خرق لهذه التعهدات سيؤدي إلى إعادة فرض العقوبات فوراً.
بند رفع العقوبات النفطية دخل حيز التنفيذ مع توقيع الاتفاق، ويشمل الخدمات المصرفية والنقل والتأمين.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن هذه الخطوة ستسمح لإيران بطرح كميات ضخمة من النفط المخزن في الأسواق العالمية، مما قد يسهم في استقرار أسعار الطاقة. وتُقدر الكميات الجاهزة للتصدير بأكثر من 100 مليون برميل، جزء كبير منها موجود بالفعل على متن ناقلات راسية خارج نطاق الحصار البحري الذي كان مفروضاً.
في المقابل، واجه القرار الأمريكي انتقادات من بعض الأوساط السياسية في واشنطن، حيث اعتبره خبراء مخاطر بمثابة تنازل مالي ضخم يمنح طهران مكاسب بمليارات الدولارات. ويرى هؤلاء أن رفع العقوبات في هذا التوقيت قد يقلل من الضغوط التي كانت تمارس على إيران لتعديل سلوكها الإقليمي وبرنامجها الصاروخي.
تاريخياً، كان مضيق هرمز قد شهد إغلاقاً شبه كامل في نهاية فبراير الماضي عقب ضربات جوية متبادلة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وتسبب ذلك الإغلاق في اضطرابات حادة في أسواق الطاقة العالمية، حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من إجمالي صادرات النفط والغاز المسال في العالم.
كما لفتت تقارير ملاحية إلى رصد عمليات تشويش واسعة النطاق على أنظمة التعرف التلقائي للسفن في منطقة الخليج، وهي الأكبر من نوعها منذ سنوات. وتأثرت أكثر من 200 سفينة بهذه الاضطرابات التقنية، مما دفع الهيئات الدولية للمطالبة بضمانات تقنية وأمنية إضافية لحماية الطواقم والشحنات من القرصنة الإلكترونية.
وتأتي هذه الانفراجة الملاحية في وقت حساس، حيث كان من المفترض عقد محادثات نهائية في سويسرا قبل أن يتم تأجيلها لأسباب لوجستية وسياسية. ويسعى الوسطاء الدوليون إلى تحويل هذا التفاهم المؤقت إلى اتفاق دائم ينهي حالة التوتر الدائم في واحد من أكثر الممرات المائية ازدحاماً وحساسية في العالم.
ختاماً، يبقى الهدوء الحذر هو سيد الموقف في مياه الخليج، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام الستين القادمة من نتائج ملموسة على أرض الواقع. فبينما تتدفق السفن تدريجياً، تظل العيون شاخصة نحو مدى التزام الأطراف الموقعة ببنود الاتفاق، وقدرة الدبلوماسية على تجاوز عقبات سنوات طويلة من الصراع والعقوبات المتبادلة.





שתף את דעתך
انتعاش الملاحة في مضيق هرمز: طهران تمنح إعفاءات واسعة وواشنطن ترفع قيود النفط