عندما استضافت وزارة الخارجية الفرنسية في باريس مؤتمراً جمع عشرات الفلسطينيين والإسرائيليين تحت عنوان دعم السلام وحل الدولتين، بدت الصورة في ظاهرها إيجابية ومشجعة. فرنسا، كغيرها من الدول الصديقة للشعب الفلسطيني، لا تزال تحاول الحفاظ على أفق سياسي في زمن تزداد فيه الحروب والتطرف واليأس. كما أن إشراك مؤسسات المجتمع المدني في النقاش حول مستقبل المنطقة يبقى هدفاً مشروعاً ومطلوباً.
لكن خلف هذه الصورة تختبئ ظاهرة آخذة في الاتساع خلال السنوات الأخيرة، وهي صعود طبقة من المنظمات غير الحكومية التي تجاوز بعضها الدور الطبيعي للمجتمع المدني، وبدأ يتصرف تدريجياً كبديل عن الأحزاب السياسية والفصائل الوطنية.
خلال سنوات طويلة من الانقسام والجمود وغياب الانتخابات وتراجع الحياة الديمقراطية، فقدت الأحزاب والفصائل جزءاً كبيراً من حيويتها وقدرتها على استقطاب الأجيال الجديدة. كما تراجع حضورها الدبلوماسي والفكري والإعلامي على الساحة الدولية، وابتعدت عن الكثير من النقاشات التي تدور حول مستقبل القضية الفلسطينية.
فمع تراجع الفعل السياسي المنظم، برزت منظمات غير حكومية نجحت في بناء علاقات واسعة مع الممولين والبعثات الدبلوماسية والمؤسسات الدولية. وكان من الطبيعي أن تلعب هذه المؤسسات دوراً مهماً في مجالات التنمية وحقوق الإنسان والحوار المجتمعي وبناء القدرات. لكن بعض هذه المؤسسات قررت التحول من دورها المدني إلى دور سياسي غير معلن، حيث بدأت شخصيات مرتبطة بهذا القطاع تتحدث باسم الفلسطينيين في المؤتمرات الدولية، وتشارك في صياغة المبادرات السياسية، وتجلس على طاولات التفاوض غير الرسمية، وتُقدَّم أمام الحكومات الأجنبية باعتبارها ممثلة للمجتمع الفلسطيني.
ومع مرور الوقت، نشأت طبقة جديدة من النخب السياسية غير المنتخبة. استلطفت الدعوات الدبلوماسية، وأدمنت المؤتمرات الدولية، و استهوتها المراسم والبروتوكولات واللقاءات الرسمية. وأصبح بعض أفرادها يتنقلون بين باريس وبروكسل وجنيف وواشنطن أكثر مما يتنقلون بين نابلس والخليل وغزة والمخيمات الفلسطينية. ولأن المجتمع الدولي يبحث دائماً عن شركاء جاهزين مألوفين، أصبحت الوجوه ذاتها تتكرر في المؤتمرات ذاتها، وتتحدث بالخطاب ذاته، وتحصل على التمويل ذاته عاماً بعد عام.
ولعل المثال الأبرز على هذا الواقع ما شهدناه مؤخراً من توزيع ما يقارب 18 مليون يورو عبر إحدى الوكالات الحكومية الفرنسية على مجموعة محددة من المؤسسات العاملة في هذا القطاع. وليس المقصود هنا الاعتراض على دعم المجتمع المدني أو على تمويل المبادرات الهادفة إلى الحوار والسلام، فمثل هذا الدعم قد يكون مشروعاً ومفيداً إذا خضع لمعايير الشفافية والمساءلة والعدالة. لكن من حق الفلسطينيين أن يتساءلوا: كيف جرى اختيار الجهات المستفيدة؟ وما هي المعايير التي اعتمدت؟ وما حجم التأثير الحقيقي الذي حققته هذه المؤسسات داخل المجتمع الفلسطيني خلال السنوات الماضية؟ ولماذا تتكرر الأسماء ذاتها والمنظمات ذاتها في معظم برامج التمويل الدولية؟
والأهم من ذلك، كيف يمكن تبرير ضخ ملايين اليوروهات في قطاع يدّعي تمثيل المجتمع الفلسطيني فيما يبقى هذا المجتمع نفسه بعيداً عن معرفة تفاصيل هذه الأموال وطرق إنفاقها ونتائجها؟ فبعض المؤسسات العاملة في هذا المجال تدير موازنات سنوية تفوق موازنات أحزاب وقوى سياسية فاعلة، ويتقاضى بعض كبار المسؤولين فيها رواتب ومخصصات تتجاوز ما يتقاضاه وزراء ومسؤولون فلسطينيون. وبينما يكافح الموظف والمعلم والعامل الفلسطيني لتأمين احتياجاته الأساسية، نشأت حول جزء من هذا القطاع طبقة مهنية مريحة مالياً، ترتبط استدامتها باستمرار التمويل الخارجي أكثر مما ترتبط بقياس أثرها الحقيقي داخل المجتمع الفلسطيني.
والأمر لا يتعلق بالشرعية فقط، بل بالمساءلة أيضاً. فلا أحد انتخب هذه المؤسسات. ولا أحد فوضها بالتحدث باسم الفلسطينيين. ولا يمكن لأي منظمة، مهما كانت مساهماتها مهمة، أن تدعي تمثيل مجتمع كامل أو أن تحل محل الأحزاب والحركات السياسية والمؤسسات الوطنية. الأحزاب السياسية، رغم كل ما يمكن أن يوجه إليها من انتقادات، تبقى مطالبة أمام جمهورها بتبرير مواقفها وقراراتها. أما جزء من هذا القطاع الجديد فقد نجح في الجمع بين النفوذ السياسي وغياب المساءلة الشعبية. ومن هنا تبرز ضرورة طرح نقاش وطني جاد حول الشفافية
إذا كانت بعض هذه المنظمات ترغب في لعب دور سياسي مباشر، وإذا كانت تطالب بأن يُنظر إليها باعتبارها شريكاً في رسم السياسات العامة وتمثيل المجتمع الفلسطيني، فمن حق الفلسطينيين أن يعرفوا المزيد عنها.. من أين يأتي تمويلها؟؟ من هم أعضاء مجالس إدارتها؟ ؟ كيف تُتخذ قراراتها؟ من يحدد أولوياتها السياسية؟ وما هي الآليات التي تجعلها خاضعة للمساءلة أمام المجتمع الذي تدّعي تمثيله؟
التمويل الخارجي ليس تهمة، والعمل الأهلي ليس جريمة، والارتباط بالمجتمع الدولي ليس عيباً. لكن العمل السياسي دون شفافية، والادعاء بالتمثيل دون تفويض، والمطالبة بالتأثير في مستقبل الشعب الفلسطيني دون الخضوع للرقابة المجتمعية، هي أمور تستحق النقاش والمساءلة. لكن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى استبدال نخب قديمة بنخب جديدة، ولا إلى استبدال الفصائل بمنظمات غير حكومية، ولا إلى نقل القرار الوطني من المؤسسات السياسية إلى غرف المشاريع الممولة. ما تحتاجه فلسطين اليوم هو إعادة إحياء السياسة نفسها.
نحتاج إلى انتخابات حرة، وأحزاب حديثة، وقيادات جديدة، ومؤسسات خاضعة للمحاسبة، ومجتمع مدني قوي ومستقل يؤدي دوره الطبيعي في الرقابة والتوعية والدفاع عن الحقوق، لا أن يتحول إلى بديل عن الحياة السياسية. فالديمقراطية لا تُبنى بالمشاريع، والتمثيل لا يُمنح عبر الدعوات الدبلوماسية، والشرعية لا تصدرها السفارات الأوروبية.
ومن حق أي منظمة مجتمع مدني أن تدافع عن أفكارها ومبادراتها، لكن ليس من حق أحد أن يطالب بدور سياسي وتمثيلي دون أن يقبل أولاً قواعد الشفافية والمساءلة والرقابة الشعبية التي يخضع لها العمل السياسي الديمقراطي. فلا يمكن بناء ديمقراطية فلسطينية عبر استبدال الأحزاب بالمنظمات غير الحكومية، تماماً كما لا يمكن بناء دولة عبر استبدال المواطنين بالممولين.
السياسة يصنعها ممثلو الشعب، لا أصحاب المشاريع. والشرعية يمنحها الناخبون، لا المانحون. ومستقبل فلسطين يجب أن يقرره الفلسطينيون عبر مؤسساتهم المنتخبة، لا عبر شبكات التمويل والمؤتمرات الدولية مهما حسنت .نوايا القائمين عليها





שתף את דעתך
مؤتمر باريس: دبلوماسية ممولة وتمثيل وهمي... هل تتحول منظمات المجتمع المدني إلى أحزاب بلا مساءلة وبلا انتخابات؟