تعود الذاكرة الصحفية المصرية إلى عام 1995، حينما حاولت السلطة آنذاك تمرير القانون رقم 93، الذي وُصف بـ 'قانون ذبح الصحافة'. كانت تلك المرحلة تشهد هامشاً من الحرية حاول الصحفيون البناء عليه، بينما سعت السلطة لتقليصه وحصره عبر تشريعات مقيدة.
شهدت تلك الحقبة حراكاً نقابياً مكثفاً، حيث توحدت التيارات السياسية من أقصى اليسار إلى اليمين للدفاع عن استقلالية المهنة. كانت النقابات المصرية في ذلك الوقت صوتاً عالياً يعبر عن قضايا الأمة، ويرى فيها الشعب أملاً في كسر قيود الاستبداد السياسي.
رغم أن نقيب الصحفيين في تلك المراحل كان غالباً من المقربين من دوائر الحكم، إلا أنه كان يضطر للموازنة بين الحفاظ على تقاليد المهنة وعدم الصدام الكامل مع السلطة. هذا الإرث التاريخي هو ما دفع المجلس الحالي للنقابة لاتخاذ خطوة تكريم رموز تلك المرحلة.
جاء قرار مجلس نقابة الصحفيين الحالي، الذي يمثل تياراً مستقلاً فاز لمرتين متتاليتين، بتكريم المجلس الذي قاد معركة القانون الجائر قبل ثلاثين عاماً. شمل التكريم كافة التيارات السياسية التي كانت ممثلة في ذلك الوقت دون استثناء أو إقصاء أيديولوجي.
برز اسم الأستاذ صلاح عبد المقصود، عضو مجلس النقابة ووزير الإعلام الأسبق، ضمن قائمة المكرمين نظراً لدوره النقابي التاريخي. ويُعرف عبد المقصود بانتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما اتخذه البعض ذريعة لشن هجوم حاد على قرار النقابة.
انطلقت حملات تحريضية من قبل بعض الإعلاميين، وعلى رأسهم محمد الباز، ضد تكريم عبد المقصود بدعوى انتماءاته السياسية. وحاول هؤلاء تصوير التكريم كفعل مدان، متجاهلين التاريخ المهني والنقابي الطويل للرجل داخل أروقة صاحبة الجلالة.
دافع قطاع واسع من الصحفيين عن استحقاق عبد المقصود لهذا التكريم، مستشهدين بجهوده الملموسة في تأسيس مشروع علاج الصحفيين وأسرهم. كما يُنسب له دور محوري في إنشاء صندوق التكافل، ومساعدة الشخصيات الصحفية التي عانت من التهميش والفقر.
يوم من تاريخ صلاح عبد المقصود في النقابة، يوازي التاريخ الصحفي لمن يهاجمونه مجتمعين.
ركز المهاجمون في حملتهم على واقعة قديمة مع مذيعة لبنانية، محاولين تأويل عبارات عفوية على أنها تحرش لفظي. ورغم أن المذيعة نفسها خرجت في وقت سابق لتنفي أي إساءة وتؤكد فهمها للسياق الإعلامي، إلا أن الحملة استمرت في استغلال الواقعة سياسياً.
يرى مراقبون أن الهجوم على عبد المقصود يفتقر للمصداقية، خاصة عندما يأتي من شخصيات تحوم حولها تسريبات أخلاقية ومهنية مثيرة للجدل. ويبدو أن الهدف الأساسي هو طمس أي جهد نقابي لا يتماشى مع الرواية الرسمية الحالية للسلطة.
تاريخ الصحافة المصرية مليء بمحاولات تشويه الرموز التي اختلفت مع السلطة، لكن الحقيقة غالباً ما تفرض نفسها في النهاية. فأسماء مثل مصطفى أمين، الذي اتهم سابقاً بالخيانة، عادت لتتصدر المشهد الصحفي كأحد مؤسسي المؤسسات الكبرى.
كذلك يذكر التاريخ تجربة اللواء محمد نجيب، أول رئيس لمصر، الذي حاول البعض محو اسمه من الكتب المدرسية لعقود طويلة. ومع ذلك، عادت الحقائق لتثبت مكانته في تاريخ البلاد، وهو ما يتوقع حدوثه مع الرموز النقابية الحالية.
إن تكريم مجلس النقابة الحالي لعبد المقصود وزملائه يُعد موقفاً شجاعاً ينم عن وفاء مهني يتجاوز الخلافات السياسية الضيقة. هذا الوفاء هو ما يثير حفيظة الأدوات الإعلامية التي تقتات على إقصاء الآخر وتشويه تاريخه المهني.
لن يضير الشخصيات النقابية ما يشنه 'أذناب السلطة' من حملات، لأن الأثر الباقي في خدمة الصحفيين هو المعيار الحقيقي. فالمشاريع الخدمية والنقابية التي ساهم فيها عبد المقصود لا تزال تخدم آلاف الصحفيين حتى يومنا هذا.
في الختام، يبقى صراع الذاكرة في مصر مستمراً بين تيار يسعى لتوثيق الحقائق وتكريم أصحاب الفضل، وتيار آخر يحاول تزييف الوعي. وستظل نقابة الصحفيين قلعة للدفاع عن منتسبيها، بعيداً عن تصنيفات السلطة واتهاماتها المعلبة.





שתף את דעתך
تكريم صلاح عبد المقصود يثير الجدل: صراع الذاكرة النقابية وأدوات التشويه