غرشون باسكين
مع الأمل بأن تقترب الحرب مع إيران من نهايتها، يجب على الرئيس ترامب ومجلس السلام أن يعيدا الآن كامل اهتمامهما إلى غزة. فالخطر واضح: إذا تُركت غزة مرة أخرى بين القصف الإسرائيلي ورعب حماس، وإذا تأخر التنفيذ إلى حين حلّ كل قضية سياسية، فإن وقف إطلاق النار سينهار رسميًا، وستحاول حماس توسيع سيطرتها على مزيد من مناطق القطاع، وستبقى إسرائيل داخل غزة، وسيواصل أهل غزة العيش بلا أمن، ولا مأوى، ولا كرامة، ولا أمل.
تبقى القضية المركزية غير المحسومة هي نزع سلاح حماس. فقد رفضت حماس مناقشة مسألة نزع السلاح قبل أن تلتزم إسرائيل بشروط وقف إطلاق النار، بما في ذلك الانسحاب الكامل من غزة وتقديم ضمانات دولية بعدم استئناف الأعمال العدائية. ولذلك، لم تقبل حماس حتى الآن رسميًا بالخطة الموضوعة أمامها. لكن شعب غزة لا يجوز أن يبقى رهينة للتردد أو للمفاوضات التي لا تنتهي. وحتى من دون اتفاق نهائي مع حماس، يجب على مجلس السلام أن يبدأ الآن بخطوات ملموسة، ومرئية، ولا رجعة عنها على الأرض.
يجب أن تكون الخطوة الأولى هي الدخول الفوري للجنة الوطنية لإدارة غزة — NCAG — إلى المنطقة الخضراء، الخاضعة حاليًا للسيطرة الإسرائيلية، والتي تشكل ما بين 60 و70 في المئة من مساحة القطاع. غزة بحاجة إلى سلطة مدنية فلسطينية شرعية تستطيع أن تبدأ بالحكم، وتنظيم الخدمات، واستعادة الإدارة العامة الأساسية، وأن تثبت للناس أن هناك بديلًا لحكم حماس وللسيطرة العسكرية الإسرائيلية. لا ينبغي أن تبقى اللجنة الوطنية لإدارة غزة اسمًا على الورق أو لجنة تنتظر خارج القطاع. يجب أن تُرى وتُسمع وتعمل من داخل غزة.
وإلى جانب اللجنة الوطنية لإدارة غزة، يجب نشر قوة الشرطة الفلسطينية الجديدة فورًا في المنطقة الخضراء. لا يمكن تأجيل القانون والنظام إلى نهاية العملية السياسية. إنهما بداية العملية السياسية. يحتاج الغزيون إلى رؤية شرطة فلسطينية بزي رسمي تحمي المدنيين، وتنظم حركة السير، وتمنع النهب، وتؤمّن المرافق الإنسانية، وتفرض النظام العام تحت سلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة. غزة من دون شرطة فاعلة ستكون غزة يحكمها الخوف، والعائلات المسلحة، والشبكات الإجرامية، وترهيب حماس.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تنتشر قوة الاستقرار الدولية على طول الخط الأصفر، من جهة المنطقة الخضراء. ويجب على قوة الاستقرار الدولية والشرطة الفلسطينية أن تتمركزا في مواقع تجعل الانسحاب الإسرائيلي العملي والمتدرج من غزة ممكنًا. هذا ليس مطلبًا أمنيًا فقط، بل ضرورة سياسية أيضًا. إسرائيل لن تنسحب في ظل فراغ في السلطة. والفلسطينيون والمجتمع الدولي، بما في ذلك مجلس السلام، لن يقبلوا بمستقبل يقوم على وجود عسكري إسرائيلي دائم. والجسر بين هذين الواقعين هو ترتيب أمني موثوق: شرطة فلسطينية داخل المنطقة الخضراء، وقوة الاستقرار الدولية على طول الخط الأصفر، وجدول زمني واضح لمزيد من الانسحاب الإسرائيلي مع اتساع الاستقرار.
ينبغي لمجلس السلام أن يحدد هذا الآن بوصفه المنطق العملي للمرحلة المقبلة: إنشاء مناطق آمنة تُدار فلسطينيًا، ونقل المدنيين إليها طوعًا وبأمان، وتوفير الخدمات وفرص العمل، وتوسيع المنطقة الخضراء، وتقليص المساحة التي تسيطر عليها حماس وتحتلها إسرائيل.
وفي موازاة بدء الحكم الرسمي للجنة الوطنية لإدارة غزة في القطاع، يجب إطلاق عملية منظمة وآمنة لتمكين سكان غزة الذين ليسوا مقاتلين في حماس أو أعضاء في مجموعات مسلحة أخرى من الانتقال طوعًا إلى المنطقة الخضراء، الخاضعة لسلطة اللجنة الوطنية لإدارة غزة. وفي أسرع وقت ممكن، يجب أن يصبح الوجود المسلح في المناطق التي تسيطر عليها حماس معزولًا ومحدودًا. وفي نهاية المطاف، إما أن ينزع المسلحون سلاحهم بأنفسهم وتتم إزالة أسلحتهم من الخدمة، وإما أن تقوم قوة مخولة بذلك بنزع سلاحهم ومصادرته. ستصبح غزة منزوعة السلاح، وستُجبر إسرائيل على الانسحاب الكامل منها. هاتان الخطوتان تسيران معًا، ولا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى.
يجب إنشاء مناطق إنسانية فورًا داخل المنطقة الخضراء. ولا يجوز أن تكون هذه المناطق مجرد مدن خيام. يجب أن تكون مجتمعات مؤقتة مخططة، تضم مأوى، ومياهًا، وصرفًا صحيًا، وكهرباء، وعيادات صحية، ومدارس، ومراكز رعاية اجتماعية، ونقاط توزيع غذاء، ومساحات عامة آمنة. لقد عانى شعب غزة أكثر مما يكفي لكي يُنقل من شكل من أشكال البؤس إلى شكل آخر. يجب أن تمثل المنطقة الخضراء بداية غزة جديدة: منظمة، ومحمية، وتُدار بأيدٍ فلسطينية، ومتصلة بمستقبل سياسي أوسع.
يجب إنشاء مراكز تشغيل فورًا. كل غزّي يتم فحصه أمنيًا وينتقل من المناطق الخاضعة لسيطرة حماس إلى المنطقة الخضراء يجب أن تُعرض عليه فرصة عمل. هناك قدر هائل من العمل الذي يجب القيام به: إزالة الركام، وبناء مساكن مؤقتة، وإصلاح الطرق حيثما أمكن، وشق طرق جديدة حيثما تكون الحاجة ووفقًا لخطة واضحة، وإعادة تأهيل شبكات المياه، وإعادة فتح المدارس، وتشغيل العيادات، وتوزيع المساعدات، وإعادة بناء الإدارة المحلية. العمل ليس مجرد دخل. العمل كرامة. العمل استقرار. والعمل أيضًا أحد أقوى الأدوات لإضعاف قبضة حماس على المجتمع.
ينبغي أن يُمنح مئات الآلاف من الغزيين خيارًا حقيقيًا: أن يبقوا عالقين في مناطق تسيطر عليها حماس ومعرضين لاستمرار الصراع، أو أن ينتقلوا إلى منطقة تُدار فلسطينيًا، يتوفر فيها الأمن، والغذاء، والمأوى، والمدارس، والرعاية الطبية، والعمل. يجب أن تكون هذه الحركة طوعية، ومنظمة، ومحمية. ويجب ألا تبدو أبدًا كتهجير قسري. يجب أن تكون الرسالة بسيطة: مستقبل غزة يُبنى هنا، تحت سلطة مدنية فلسطينية، وبحماية ودعم دوليين.
ومع بدء اللجنة الوطنية لإدارة غزة عملها، يجب أن تركز على أربع أولويات فورية: القانون والنظام، والاستقرار الإنساني، والتشغيل، والتعافي الاقتصادي. لا تستطيع غزة أن تنتظر اتفاقًا سياسيًا مثاليًا قبل جمع النفايات، وإعادة فتح المدارس، ونشر الشرطة، وتوزيع الغذاء، ودفع الرواتب. يبدأ الحكم من الأمور الأساسية التي تتيح للناس أن يعيشوا.
وعلى مجلس السلام أيضًا أن يحشد الأموال بسرعة وشفافية. لن يستثمر المانحون بجدية في غزة إذا لم تكن هناك سلطة موثوقة، وإطار أمني واضح، وآلية تضمن ألا تنتهي الأموال في أيدي حماس أو شبكات الفساد. يجب على اللجنة الوطنية لإدارة غزة، بدعم من مجلس السلام، أن تقيم منذ اليوم الأول أنظمة مالية شفافة. كل دولار، أو يورو، أو شيكل، أو دينار، أو عملة رقمية تُنفق في غزة يجب أن تكون قابلة للتتبع. يجب أن يتمكن أهل غزة، والمانحون، والمجتمع الدولي من معرفة أين تذهب الأموال.
ومع مرور الوقت، سيكون لا بد من معالجة القضايا الصعبة المتعلقة بملكية الأراضي. لا يجوز أن تتحول المساكن المؤقتة إلى ظلم دائم جديد. حقوق الملكية، والمنازل المدمرة، ومطالبات العائلات، والأراضي البلدية، والأراضي العامة، والتخطيط لإعادة الإعمار، كلها ستحتاج إلى عملية قانونية وإدارية عادلة. لا يمكن الارتجال في هذا الأمر. يجب على اللجنة الوطنية لإدارة غزة أن تبدأ الآن بإعداد الآليات اللازمة: سجلات الأراضي، وإجراءات المطالبات، وأطر التعويض، وهيئات مراجعة مستقلة. إن إعادة بناء غزة يجب ألا تخلق مظالم جديدة تنفجر لاحقًا.
كل ذلك يجب أن يكون مرتبطًا بالأفق السياسي الفلسطيني الأوسع. فالهدف ليس إنشاء غزة منفصلة ومنقطعة عن الحركة الوطنية الفلسطينية. الهدف هو تثبيت غزة كجزء من الطريق نحو تمثيل فلسطيني شرعي وتجديد وطني. ولهذا فإن هدف إجراء الانتخابات الوطنية الفلسطينية في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 بالغ الأهمية. كل ما يُفعل الآن في غزة يجب أن يشير نحو ذلك التاريخ.
الانتخابات ليست شعارًا. إنها تتطلب أمنًا، وحرية حركة، وتسجيلًا للناخبين، وتعددية سياسية، ووصولًا إلى الإعلام، وثقة عامة. إذا بقيت غزة مقسمة بين سيطرة حماس، والوجود العسكري الإسرائيلي، والفوضى الإدارية، فلن يكون للانتخابات معنى. أما إذا أصبحت المنطقة الخضراء فضاءً فلسطينيًا مدنيًا فاعلًا، محميًا من قوة الاستقرار الدولية، وتخدمه شرطة فلسطينية، ومرتبطًا باللجنة الوطنية لإدارة غزة، فعندها يمكن لغزة أن تبدأ بالعودة إلى العملية السياسية الفلسطينية.
يمتلك الرئيس ترامب نفوذًا غير عادي على إسرائيل. ويتمتع مجلس السلام بشرعية دولية. ولدى الدول العربية وأوروبا والمجتمع الدولي الأوسع مصلحة في منع عودة غزة إلى الحرب. لكن النفوذ والشرعية لا يعنيان شيئًا إذا لم يُترجما إلى فعل. لا يمكن أن تكون المرحلة المقبلة وثيقة دبلوماسية أخرى. يجب أن تكون شاحنات، وملاجئ، ومراكز شرطة، وعيادات، ومدارس، ووظائف، وترتيبات أمنية واضحة على الأرض.
يجب الضغط على حماس لقبول نزع السلاح الكامل ومبدأ سلطة واحدة وسلاح واحد. لا يمكن أن يكون هناك مستقبل فلسطيني سيادي إذا احتفظت الفصائل المسلحة بسلطة تقرير الحرب والسلام. لكن رفض حماس أو تأخرها شلّ غزة لفترة طويلة جدًا، ولا يجوز الآن أن يستمر في شل كل خطوة أخرى. يجب على مجلس السلام أن يتحرك الآن حيث يستطيع أن يتحرك، وأن يبني الآن حيث يستطيع أن يبني، وأن يحكم الآن حيث يستطيع أن يحكم، وأن يوسع يومًا بعد يوم مساحة السلطة المدنية الفلسطينية.
يحتاج أهل غزة إلى دليل على أن مستقبلًا مختلفًا ممكن. وتحتاج إسرائيل إلى دليل على أن الانسحاب لن يعني عودة السابع من أكتوبر. ويحتاج الفلسطينيون إلى دليل على أن غزة لن تبقى تحت الحصار أو الاحتلال أو حكم الميليشيات. وتحتاج المنطقة إلى دليل على أن الدبلوماسية قادرة على إنتاج أكثر من مجرد فترات توقف بين الحروب.
ويجب أن يبدأ هذا الدليل الآن في المنطقة الخضراء.
غزة لا تستطيع انتظار الظروف المثالية. فالظروف المثالية لن تأتي أبدًا. الظروف تُصنع بالفعل. يجب على مجلس السلام، واللجنة الوطنية لإدارة غزة، والشرطة الفلسطينية، وقوة الاستقرار الدولية، والولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية، والمجتمع الدولي، أن يعملوا معًا الآن لبناء أول مساحة آمنة وفاعلة تُدار فلسطينيًا في غزة. ومن هناك، يجب أن تتوسع المنطقة الخضراء الخاضعة للسيطرة الفلسطينية، وأن تتقلص سيطرة حماس، وأن ينسحب الجيش الإسرائيلي على مراحل، وأن يُفتح الطريق نحو الانتخابات الوطنية الفلسطينية في الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026.
هذه هي المهمة الملحة. لا خطة أخرى. لا مؤتمر آخر. لا جولة جديدة من البيانات.
يجب أن يبدأ التنفيذ الآن.





שתף את דעתך
غزة لا تستطيع الانتظار