عادت الأزمة الليبية إلى واجهة الاهتمام الدولي مع كشف الإدارة الأميركية عن خارطة طريق جديدة تهدف إلى إنهاء حالة الانقسام المؤسسي المستمرة منذ سنوات. وأوضح مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الشرق الأوسط وإفريقيا أن الرؤية الأميركية تسعى لدمج المؤسسات المتنافسة تحت سلطة واحدة، بالتوازي مع فتح آفاق واسعة لشركات النفط الأميركية لتعزيز حضورها في قطاع الطاقة الليبي.
وتستند الخطة الأميركية، بحسب تصريحات بولس لصحيفة فايننشال تايمز، إلى تشكيل حكومة موحدة تضطلع بمهام تمثيل كافة الأطراف والمؤسسات الوطنية. وتهدف هذه الخطوة إلى توفير بيئة مستقرة تدعم جهود الأمم المتحدة الرامية لتنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية، حيث يُنظر إلى هذا الترتيب كفترة انتقالية قصيرة تسبق التوجه إلى صناديق الاقتراع.
وفي تفاصيل مثيرة للجدل حول هيكلية السلطة المقترحة، أشارت التقارير إلى أن الخطة تتضمن وضع صدام حفتر، نجل قائد قوات الشرق الليبي، على رأس مجلس رئاسي تنفيذي. وفي المقابل، يقضي المقترح ببقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة في منصبه، مع إسناد ملف أمني وطني لشخصية مقربة منه، في محاولة لخلق توازن بين القوى المسيطرة على الأرض.
واعتبر المستشار الأميركي أن هناك مؤشرات إيجابية تدعم هذه التحركات، من بينها الاتفاق المبرم في نوفمبر الماضي لتمويل مشاريع التنمية في مختلف أنحاء البلاد. كما لفت إلى إقرار أول ميزانية وطنية موحدة في أبريل الماضي كخطوة تاريخية لم تحدث منذ أكثر من عقد، بالإضافة إلى التعاون العسكري المتزايد عبر مشاركة ليبيا في مناورات فلينتلوك تحت إشراف القيادة الأميركية في إفريقيا.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تضع واشنطن ثقلها خلف شركات الطاقة الكبرى مثل كونوكو فيليبس وشيفرون، والتي وقعت بالفعل اتفاقيات استراتيجية مع الجانب الليبي خلال العام الجاري. وتطمح الخطة الأميركية إلى مضاعفة إنتاج النفط الليبي ليصل إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً في غضون أربع سنوات، مما سيعيد ليبيا إلى قائمة كبار المنتجين العالميين.
ورغم الطموحات الأميركية، أبدى دبلوماسيون ومراقبون للشأن الليبي تشككهم في قدرة هذه الصفقات على الصمود أمام تعقيدات الداخل الليبي. ويرى هؤلاء أن المقاربة الأميركية الحالية تعتمد بشكل كبير على منطق الصفقات والاستثمارات، وهو نهج قد يصطدم بجذور الأزمة المتعلقة بتوزيع الثروة والسلطة بين الأقاليم المختلفة.
وتواجه آفاق المصالحة الشاملة تحديات جسيمة في ظل استمرار الانقسام بين حكومتي الشرق والغرب، وتصاعد خطاب التشكيك المتبادل بين الفرقاء السياسيين. فلطالما كانت المبادرات الدولية السابقة تصطدم بواقع المصالح الضيقة للأطراف المحلية، مما عزز حالة الجمود السياسي وأضعف ثقة الشارع الليبي في أي حلول خارجية مطروحة.
الخطة تقوم على تشكيل حكومة موحدة تمثل جميع مؤسسات البلاد، وقد تشكل ترتيباً انتقالياً قصير الأمد يسبق الاستحقاقات الانتخابية.
وفي تطور ميداني جديد، أعلنت تسع بلديات عن تأسيس ما وصفته بـ إقليم المنطقة الوسطى، في خطوة تهدف رسمياً إلى تفعيل اللامركزية الإدارية وتحقيق التكامل الاقتصادي. إلا أن هذا الإعلان قوبل بمخاوف واسعة من أن يكون مقدمة لكيانات جهوية جديدة تزيد من تعقيد المشهد السياسي وتفتح الباب أمام احتمالات التقسيم الفعلي للبلاد.
من جانبه، استبعد ناصر أبو ديب، الأمين العام لحزب ليبيا الأمة، حدوث انفراجة قريبة نحو الوحدة السياسية الكاملة، مرجحاً استمرار واقع تقاسم السلطة الحالي. وأشار في تصريحات إعلامية إلى أن ما يطرحه البعض حول الأقاليم الاقتصادية لا يمتلك غطاءً دستورياً واضحاً، حيث تتطلب الأقاليم السياسية تشريعات تحدد صلاحياتها بدقة.
وأوضح أبو ديب أن الواقع الليبي الراهن تفرضه قوى الأمر الواقع التي تمتلك المال والسلاح في الشرق والغرب على حد سواء. وهذا التوازن العسكري والمالي جعل البعثات الدولية والإقليمية عاجزة عن فرض حل جذري، خاصة في ظل الخلافات العميقة داخل المؤسسات التشريعية حول القوانين المنظمة للعملية الانتخابية.
وشكك أبو ديب في جدوى المبادرة الأميركية إذا كانت تقوم فقط على ترتيبات لتقاسم الثروة والسلطة بين الشخصيات النافذة. واعتبر أن مثل هذه الصفقات قد توفر استقراراً ظاهرياً مؤقتاً، لكنها لا تمثل مدخلاً حقيقياً لبناء دولة موحدة ومستقرة تلبي طموحات الشعب الليبي في التغيير الديمقراطي.
وتساءل مراقبون عن الضمانات التي يمكن أن تقدمها واشنطن لإنجاح هذه الخارطة، خاصة وأن السياسة الأميركية في المنطقة غالباً ما تكون محكومة بالمصالح النفطية والأمنية. ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى قبول الأطراف الليبية الفاعلة بالتنازل عن مكتسباتها الحالية لصالح صيغة حكم مشتركة قد لا تضمن بقاءها في المشهد مستقبلاً.
وفي ظل الصمت الرسمي من الحكومة المركزية في طرابلس تجاه بعض التحركات الجهوية، تزداد المخاوف من تآكل سلطة الدولة لصالح تحالفات مناطقية. هذا الواقع يضع المبادرة الأميركية أمام اختبار حقيقي، فإما أن تنجح في جسر الهوة بين الخصوم، أو تتحول إلى مجرد محاولة أخرى تضاف إلى سجل المبادرات التي لم تعالج جوهر الصراع.
إن المشهد الليبي يترقب الآن ردود الفعل الرسمية من القوى الفاعلة في بنغازي وطرابلس تجاه المقترحات الأميركية المسربة. ومع استمرار التدخلات الخارجية وتضارب المصالح، تظل التسوية الشاملة والمستدامة هدفاً بعيد المنال، بانتظار خرق حقيقي ينهي حالة الترقب والحذر التي تخيم على البلاد.





שתף את דעתך
خارطة طريق أميركية لتوحيد مؤسسات ليبيا: صفقات نفطية وترتيبات سلطة جديدة