شدد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان على أن مفهوم الأمن القومي لبلاده يتجاوز الحدود الجغرافية المباشرة، معتبراً أن حماية تركيا تبدأ فعلياً من استقرار مدن كبرى مثل حلب ودمشق وبيروت. وأوضح في خطاب أمام كتلته البرلمانية أن أنقرة لن تقف مكتوفة الأيدي أمام محاولات فرض واقع جديد في المنطقة أو التغاضي عن الهجمات التي تستهدف الدول الشقيقة.
وأكد أردوغان أن تركيا تتابع بيقظة تامة ما وصفه بـ'أوهام أرض الميعاد'، مشيراً إلى أن التحركات الإسرائيلية التوسعية لا تستهدف فلسطين فحسب، بل تمتد لتشكل خطراً مباشراً على أمن تركيا وسيادتها. وحذر من محاولات إشعال 'نار الفتنة' في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتحديداً في محيط جزيرة قبرص، مؤكداً أن بلاده ترصد كافة التطورات بدقة.
وترى الدوائر السياسية في أنقرة أن الهجمات الإسرائيلية المستمرة على لبنان، والتي طالت العاصمة بيروت، تضع الالتزامات التركية تجاه أمن المنطقة تحت الاختبار. ويطرح هذا التصعيد تساؤلات جوهرية حول الأدوات التي يمكن لتركيا استخدامها لحماية عمقها الأمني في ظل الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة اللبنانية والسورية.
وتعتمد الاستراتيجية التركية في حماية مصالحها الخارجية على الموازنة بين القوة العسكرية والوسائل الدبلوماسية المستندة إلى القانون الدولي والاتفاقيات الثنائية. وتؤكد مصادر مطلعة أن أنقرة تحرص على احترام سيادة الدول ولا تنتهج سياسة إنشاء المليشيات، بل تسعى لتعزيز مؤسسات الدول الشقيقة لتمكينها من مواجهة التهديدات المشتركة.
وفي الملف السوري، تعتبر أنقرة أن استقرار دمشق جزء لا يتجزأ من استقرار الدولة التركية، خاصة بعد سنوات من الاضطرابات التي سمحت لتنظيمات تصنفها إرهابية بالسيطرة على مناطق حدودية. وقد أثبتت العمليات العسكرية التركية السابقة أن الهدف كان دائماً إبعاد الخطر عن الحدود في ظل الفراغ الأمني الذي شهدته سوريا خلال العقد الماضي.
ومع استعادة الدولة السورية لعافيتها تدريجياً، تبرز ملامح تعاون جديد بين أنقرة ودمشق يهدف إلى التنسيق الأمني المشترك بدلاً من التدخل العسكري المباشر. ويهدف هذا التعاون إلى تمكين الجيش السوري من السيطرة الكاملة على أراضيه ومنع أي تهديدات قد تنطلق منها باتجاه الأراضي التركية، بدعم من قوى إقليمية مثل السعودية وقطر.
وفي خطوة عسكرية لافتة تعكس تطور العلاقات، شارك الجيش السوري لأول مرة في مناورات 'أفس 2026' التي استضافتها تركيا الشهر الماضي. وتهدف هذه المشاركة إلى تبادل الخبرات القتالية وتعزيز التنسيق الميداني بين الجيشين، مما يمهد الطريق لمرحلة جديدة من التعاون العسكري لمواجهة التحديات الإقليمية المتزايدة.
أمن تركيا لا يبدأ من محافظة هاتاي، بل يبدأ من حلب ودمشق وبيروت، ولن نسمح بفرض أمر واقع في الدول الشقيقة.
وعلى الجبهة اللبنانية، يرى مراقبون أن حماية أمن بيروت تبدو أكثر تعقيداً مقارنة بدمشق، نظراً للتداخلات السياسية الداخلية وتباين الرؤى بين الحكومة اللبنانية والقوى السياسية الأخرى. وتؤثر هذه الانقسامات، بالإضافة إلى نظام المحاصصة، على قدرة الدولة اللبنانية في اتخاذ قرار موحد لمواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
ورغم هذه التعقيدات، تبدي تركيا استعداداً كاملاً لدعم التحركات الدبلوماسية اللبنانية في المحافل الدولية للضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي المحتلة. ومع ذلك، تسود مخاوف من أن الجهود الدبلوماسية وحدها قد لا تكون كافية للجم حكومة بنيامين نتنياهو التي تضرب بعرض الحائط كافة القرارات والمواثيق الدولية.
وكانت جهود إقليمية ودولية قد أفضت مؤخراً إلى صياغة مذكرات تفاهم تهدف لوقف إطلاق النار، إلا أن الموقف الإسرائيلي لا يزال يشكل العقبة الأساسية أمام التنفيذ. وتشير التصريحات الصادرة من تل أبيب إلى عدم وجود نية حقيقية للانسحاب من المناطق التي تم احتلالها مؤخراً في الجنوب اللبناني.
وقد صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بوضوح أن جيشه سيبقى في ما أسماها 'المنطقة الأمنية العازلة' داخل لبنان لضمان أمن المستوطنات الشمالية. ويصر نتنياهو على الاحتفاظ بـ'حرية العمل العسكري' في الأجواء والأراضي اللبنانية، وهو ما تعتبره أنقرة تقويضاً كاملاً لأي فرص للسلام أو الاستقرار في المنطقة.
وفي ظل هذا الإصرار الإسرائيلي على مواصلة العمليات العسكرية، تجد القوى الإقليمية نفسها أمام خيارات محدودة لمنع انفجار الأوضاع بشكل شامل. وتكتفي تركيا في المرحلة الراهنة بتكثيف الإدانات الدولية للعدوان، مع التركيز على الجانب الإنساني عبر إرسال المساعدات العاجلة للشعب اللبناني المتضرر من الحرب.
كما تراهن أنقرة على ممارسة ضغوط عبر الإدارة الأمريكية الجديدة والمجتمع الدولي لإجبار إسرائيل على وقف عدوانها، محذرة من أن استمرار الصراع سيؤدي إلى عواقب وخيمة تطال الجميع. وتؤكد المصادر أن تركيا لن تتوانى عن اتخاذ خطوات أكثر صرامة إذا ما شعرت بتهديد مباشر يمس حدودها أو أمنها القومي الاستراتيجي.
يبقى الرهان التركي معلقاً على قدرة الدول الإقليمية على تشكيل جبهة دبلوماسية وسياسية موحدة قادرة على مواجهة المخططات التوسعية. وتشدد أنقرة على أن أمن المنطقة وحدة واحدة لا تتجزأ، وأن أي مساس بسيادة سوريا أو لبنان هو في جوهره استهداف للأمن القومي التركي الذي يمتد من الأناضول إلى عمق المشرق العربي.





שתף את דעתך
أمن تركيا العابر للحدود: دمشق وبيروت في قلب استراتيجية أنقرة لمواجهة التوسع الإسرائيلي