كشفت تحقيقات قضائية وأمنية في العاصمة البريطانية لندن عن تفاصيل مثيرة تتعلق بشبكة تخريبية تدار من روسيا، تورطت في تنفيذ سلسلة من الهجمات المتعمدة ضد ممتلكات تعود لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. وأظهرت الوثائق أن هذه العمليات لم تكن مجرد حوادث عشوائية، بل كانت جزءاً من مخطط استراتيجي استهدف زعزعة الاستقرار الداخلي عبر تجنيد أفراد داخل المملكة المتحدة.
بدأت وقائع هذه القضية منذ فجر الثامن من مايو عام 2025، حين اندلعت النيران بشكل مفاجئ في سيارة من طراز تويوتا في حي كنتيش تاون شمالي لندن. وتبين لاحقاً من خلال سجلات الملكية أن المركبة كانت مملوكة سابقاً لرئيس الوزراء، مما أثار شكوكاً أولية حول الدوافع السياسية وراء الحادث الذي بدا في ظاهره جنائياً.
ولم تتوقف الهجمات عند هذا الحد، فبعد ثلاثة أيام فقط، تعرض عقار سكني في حي إزلنغتون لمحاولة حرق عند بوابته الرئيسية. هذا العقار تكمن أهميته في كونه يدار من قبل شركة كان كير ستارمر يشغل فيها منصب المدير والمساهم سابقاً، مما أكد للمحققين وجود نمط استهدافي واضح للشخصيات المرتبطة برأس الهرم السياسي.
وفي الليلة التالية مباشرة، وتحديداً في 12 مايو، اندلع حريق ثالث استهدف منزلاً يملكه ستارمر في شمال لندن، حيث استخدم المنفذون مواد سريعة الاشتعال لضمان انتشار النيران. وأفادت مصادر أمنية أن استخدام مادة 'الوايت سبيريت' في الهجوم كان دليلاً على تخطيط مسبق لرفع وتيرة التهديد المباشر لحياة القاطنين والممتلكات.
وأعلنت النيابة العامة البريطانية، يوم الاثنين، عن إدانة المتهم الرئيسي في القضية، وهو عامل بناء أوكراني مقيم في لندن يدعى رومان لافرونوفيتش ويبلغ من العمر 22 عاماً. ووجهت إليه المحكمة تهم التآمر لتنفيذ هجمات حرق عمد وإتلاف ممتلكات مع التهور الذي يعرض حياة المواطنين للخطر الشديد.
كما شملت الإدانة شريكه ستانيسلاف كاربيوك، وهو مواطن روماني يبلغ من العمر 27 عاماً، ثبت تورطه في التخطيط والتحضير لتلك الحرائق المتسلسلة. ومن المقرر أن تصدر محكمة 'أولد بيلي' الشهيرة في لندن أحكامها النهائية بحق المدانين يوم الجمعة المقبل، وسط ترقب إعلامي وسياسي واسع.
وقادت الأدلة الرقمية التي جمعتها شرطة لندن المحققين إلى حساب غامض على تطبيق تلغرام يحمل اسم 'إل ماني'. هذا الحساب كان المحرك الأساسي للعمليات، حيث تواصل مع المنفذين ووجههم لتنفيذ الحرائق مقابل وعود بمكافآت مالية مجزية، مستخدماً اللغة الروسية في مراسلاته السرية.
التحقيقات أثبتت أن ما بدا كحوادث حرق متفرقة كان جزءاً من شبكة تخريب منشؤها روسيا، استخدمت منصات التواصل لتجنيد المرتزقة.
وعثرت الشرطة في هاتف المتهم لافرونوفيتش على صور ومقاطع فيديو تثبت قيامه بعمليات استطلاع دقيقة للمواقع المستهدفة قبل التنفيذ. كما عززت كاميرات المراقبة هذه الخيوط برصد تحركاته في المتاجر أثناء شراء المواد القابلة للاشتعال، بالإضافة إلى العثور على عبوة بنزين تحمل بصمته الوراثية في أحد مواقع الحوادث.
وأشارت تقارير صحفية استقصائية إلى أن حساب 'إل ماني' مرتبط بشكل وثيق بجماعة 'NoName057 16'، وهي شبكة 'هاكتيفست' معروفة بولائها للكرملين. هذه الجماعة لا تكتفي بالهجمات السيبرانية، بل بدأت في التوسع نحو العمليات التخريبية الميدانية عبر تجنيد أفراد غير مشتبه بهم لتنفيذ أجندتها.
وكشف التحقيق أن الشبكة الروسية استخدمت تكتيك التمويه عبر إنشاء حركة وهمية أطلقت عليها اسم 'دايركت أكشن'، تظهر كمنظمة يمنية متطرفة بريطانية. وكان الهدف من هذا التمويه هو إلقاء اللوم على التيارات اليمينية المحلية وإثارة الفتنة والاضطرابات الاجتماعية داخل المجتمع البريطاني.
وقبل الانتقال إلى حرق ممتلكات رئيس الوزراء، كلفت الشبكة المجندين بمهام أصغر شملت لصق منشورات تحريضية وكتابة شعارات معادية للإسلام على المساجد. ووفقاً للمصادر، فإن هذه المهام كانت بمثابة 'اختبار ولاء' للمجندين قبل دفعهم لتنفيذ عمليات أكثر خطورة وتأثيراً على الأمن القومي.
وكانت وزارة العدل الأمريكية قد صنفت جماعة 'NoName057 16' في وقت سابق كشروع روسي تدعمه الدولة بشكل مباشر. وأوضحت التقارير أن هذه المنظمة أُنشئت بأوامر عليا من موسكو في عام 2018، وتستخدم العملات المشفرة لتمويل نشاطاتها التخريبية حول العالم بما يخدم المصالح الجيوسياسية الروسية.
وفي إطار المواجهة الدولية لهذه الشبكة، نفذت وكالة 'يوروبول' بالتعاون مع 'يوروجست' عملية أمنية كبرى أطلق عليها اسم 'إيستوود' في يوليو 2025. وأسفرت تلك العملية عن تعطيل أكثر من 100 خادم إلكتروني تستخدمها الجماعة في هجماتها ضد الدول الداعمة لأوكرانيا وأعضاء حلف الناتو.
تأتي هذه الإدانات القضائية لتسلط الضوء على التحديات الأمنية الجديدة التي تواجهها بريطانيا في ظل تصاعد التوترات مع موسكو. ويؤكد خبراء أمنيون أن استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتجنيد 'مرتزقة محليين' بات يمثل تهديداً هجيناً يتطلب استراتيجيات دفاعية تتجاوز الأساليب التقليدية لمكافحة التجسس.





שתף את דעתך
كشف شبكة تخريب روسية استهدفت ممتلكات رئيس الوزراء البريطاني عبر 'تلغرام'