في زوايا سجن النقب الصحراوي، حيث تشتد قسوة الأسر وتضيق الجدران على ساكنيها، وجد الشاب الفلسطيني عبد اللطيف حلس (19 عاماً) عزاءً غير متوقع. عصفور صغير تجاوز الأسلاك الشائكة ليحط في ساحة السجن، فاتحاً في نفس الأسير الشاب باباً من الأمل عجزت إدارة السجون عن إغلاقه، ليعيد وصل ما انقطع من هوايته القديمة في تربية الطيور.
كانت دقائق 'الفورة' المخصصة للأسرى بمثابة حياة مؤقتة، يخرجون فيها لتناول فتات الطعام القليل المخصص لهم. وفي تلك اللحظات، اختار عبد اللطيف أن يقتسم رزقه الشحيح مع ضيفه الصغير، مفضلاً أن يترك الجوع في جسده مقابل أن يملأ عينيه بمشهد العصفور وهو يتناول الحبوب، في مشهد يختزل معاني الإنسانية والحرية.
يستذكر حلس تلك الأيام بملامح يمتزج فيها الوجع بالدهشة، مؤكداً أن لقاء العصافير كان يهون عليه التعذيب الشديد والضغط النفسي الذي تعرض له. ويصف كيف ألفت العصافير البرية الأسرى واقتربت منهم إلى 'مسافة الصفر'، كأنها تدرك حجم الوحدة التي يعيشونها خلف القضبان، فصارت رفيقة الدرب في أصعب الأوقات.
لم تكن قصة عبد اللطيف وحيدة، ففي ذات السجن كان الأسير حسن المغربي (33 عاماً) يعيش أبوة مؤجلة خلف القضبان. اعتقل المغربي بينما كانت زوجته تنتظر مولودتهما الأولى التي اختارا لها اسم 'إيلين'، فصار يقضي أيامه متخيلاً ملامح طفلته التي لم يرها، باحثاً عن أي إشارة تربطه بالعالم الخارجي وعائلته.
في أحد الأيام، وبعد جولة تعذيب قاسية، لمح المغربي فرخ عصفور صغير يقف عند قدميه في ساحة السجن، فأطلق عليه اسم 'إيلين'. صار هذا العصفور وسيلته الوحيدة لملء فراغ الأبوة، وكان ينادي رفاقه في الأسر ببهجة منكسرة قائلاً: 'جاءت إيلين'، ليرى في الطائر الصغير صورة ابنته التي ولدت وهو بعيد عنها.
بعد عامين من الاعتقال، خرج حسن ليعانق طفلته الحقيقية، لكن ذكريات العصفور ظلت محفورة في قلبه كرمز للصمود. ورغم فرحة اللقاء، لا يزال يشعر بغصة حين تناديه طفلته بكلمة 'عمو' بدلاً من 'أبي'، وهي ضريبة قاسية دفعها المئات من الأسرى الذين سرقت سنوات سجنهم أجمل لحظات العمر.
خارج أسوار السجون، وفي أزقة قطاع غزة المدمرة، تروي العصافير حكاية أخرى من حكايات الإبادة والدمار. فالمربي محمد الصوراني، الذي قضى 15 عاماً في بناء اسمه بسوق طيور الزينة، فقد كل ما يملك خلال الحرب الحالية، حيث نفقت طيوره تحت القصف وبسبب الجوع والحرارة الشديدة في خيام النزوح.
كنت أتعرض لتعذيب شديد وضغط جسدي ونفسي، ثم بدأت أقابل العصافير في الساحة، فكان يهون علي كل ذلك أمام فكرة لقائي بها.
يقدر الصوراني خسائره المادية بنحو 85 ألف دولار، بعد أن دمر الاحتلال منزله ومزرعته التي كانت تضم 70 زوجاً من العصافير النادرة. ويصف فقدان طيوره بأنه يشبه فقدان أفراد من عائلته، حيث دخل في حالة من الحزن العميق استمرت لشهور، قبل أن يقرر البدء من جديد بإمكانيات متواضعة جداً.
الواقع الاقتصادي لسوق الطيور في غزة شهد تحولات دراماتيكية، حيث ارتفعت الأسعار بشكل جنوني نتيجة الندرة وصعوبة الاستيراد. طائر الدوري الذي لم يكن يتجاوز سعره 5 دولارات، وصل اليوم إلى قرابة 119 دولاراً، بينما قفزت أسعار أزواج الكوكتيل لتصل إلى مئات الدولارات، مما جعل الهواية حكراً على القادرين فقط.
وتشير تقديرات الجمعية الفلسطينية للطيور في غزة إلى أن 10% فقط من طيور الزينة نجت من الحرب المستمرة. هذه النسبة الضئيلة تعكس حجم الكارثة التي حلت بقطاع كان يعيل مئات الأسر، حيث تسببت الغارات الجوية ونقص الأدوية البيطرية في اندثار سلالات كانت تعتبر فخراً للمربين الفلسطينيين.
الخبير باهر عكيلة أكد أن سلالات نادرة مثل الببغاء الأفريقي والمكاو والروزيللا قد اختفت تقريباً من الأسواق المحلية. وأوضح أن الحصار الخانق منع وصول الأعلاف التخصصية، مما دفع المربين لاستخدام بدائل غير مناسبة، فضلاً عن اضطرار المواطنين لاستخدام حبوب الطيور كغذاء للبشر خلال فترات المجاعة الحادة.
إن فقدان هذه الطيور ليس مجرد خسارة مادية، بل هو طمس لجزء من الذاكرة الجمالية والبيئية لقطاع غزة. فالمزارع الكبيرة التي كانت تستثمر عشرات آلاف الدولارات في تحسين السلالات، تحولت اليوم إلى ركام، وتشتت أصحابها بين شهيد وجريح ونازح، مما أوقف تبادل الخبرات والمعرفة التي تراكمت لسنوات.
رغم كل هذا الدمار، يحاول المربون العودة إلى مهنتهم بما تبقى لديهم من قوة وإرادة، متمسكين بتربية أزواج قليلة من العصافير. بالنسبة لهم، فإن زقزقة العصافير في المحلات الصغيرة والخيام هي رسالة استمرار وحياة، وتأكيد على أن الجمال يمكن أن ينبت من وسط الركام والرماد.
تظل حكاية العصافير في غزة، سواء تلك التي آنست الأسرى في زنازينهم أو التي نفقت تحت أنقاض البيوت، شاهداً على شمولية المعاناة الفلسطينية. هي قصة شعب يصر على استعادة معاني الحرية والأنس، حتى لو كان ذلك عبر جناح عصفور صغير يكسر صمت السجن أو يغرد فوق أطلال مدينة منسية.





שתף את דעתך
أجنحة خلف القضبان وتحت الركام: حكاية العصافير التي رممت أرواح أسرى غزة ومربيها