جددت مجموعة موانئ أبوظبي الإماراتية مساعيها للاستحواذ الكامل على شركة الإسكندرية لتداول الحاويات والبضائع، وهي إحدى أعرق الشركات المصرية في قطاع النقل البحري. وقدمت شركة "بلاك كاسبيان لوجيستيكس"، التابعة للمجموعة، عرض شراء إجباري لرفع حصتها إلى 90%، بعد أشهر قليلة من رفض عرض سابق في ديسمبر الماضي.
تضمن العرض الجديد رفع سعر السهم إلى 27.47 جنيهاً مصرياً، بزيادة تقارب 20% عن العرض السابق الذي توقف عند 22.99 جنيهاً. ورغم هذه الزيادة، تشير البيانات المالية إلى أن السعر المعروض لا يزال يقل بنحو 3.1% عن سعر إغلاق السهم في البورصة المصرية، مما يضع علامات استفهام حول التقييم العادل للشركة.
تعد شركة الإسكندرية للحاويات ملفاً شديد الحساسية في برنامج الخصخصة المصري، نظراً لإدارتها محطات حيوية في مينائي الإسكندرية والدخيلة. وتمر عبر هذه الموانئ نحو 60% من إجمالي تجارة مصر الخارجية، مما يجعل السيطرة عليها مسألة تمس الأمن القومي والسيادة الاقتصادية بشكل مباشر.
تمتلك الحكومة المصرية حالياً حائط صد يتمثل في حصة تبلغ 43% من الأسهم، موزعة بين الشركة القابضة للنقل البحري والبري وهيئة ميناء الإسكندرية. وكانت الشركة القابضة قد أعلنت في وقت سابق تمسكها بكامل حصتها، رافضة التنازل عن دورها في إدارة هذا المرفق الاستراتيجي الهام.
على الطرف الآخر، عززت الإمارات نفوذها في الشركة خلال السنوات الأخيرة، حيث تمتلك حالياً حصة حاكمة تتجاوز 51% عبر أذرع استثمارية مختلفة. وشملت هذه الحصص شراء نصيب الصندوق السيادي السعودي في صفقة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الاقتصادية والسياسية المصرية العام الماضي.
يرى خبراء ومراقبون أن الإصرار الإماراتي يتجاوز الرغبة في تحقيق أرباح مالية من شركة ناجحة، بل يمتد لبناء إمبراطورية موانئ عالمية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى ربط الموانئ المصرية بشبكة لوجستية تمتد من البحر الأحمر إلى المتوسط، لضمان الهيمنة على سلاسل الإمداد الدولية.
أفادت مصادر بأن التوسع الإماراتي في الموانئ المصرية، بما في ذلك العين السخنة وسفاجا وشرق بورسعيد، يهدف لدمج هذه الأصول ضمن شبكتها العالمية. ويخشى محللون أن يؤدي ذلك إلى ارتهان القرار الاقتصادي المصري وتحويل الموانئ المحلية إلى مرافق تابعة تخدم مصالح موانئ إقليمية أخرى.
السيطرة على إدارة الحاويات تعني امتلاك بيانات حركة التجارة وشبكات الشحن العالمية والتأثير على كفاءة الصادرات والواردات المصرية.
البعد الجيوسياسي حاضر بقوة في هذا الملف، خاصة مع تزايد وتيرة التطبيع والتعاون الاستراتيجي بين أبوظبي وتل أبيب. وتبرز مخاوف من أن تتحول الموانئ الخاضعة للإدارة الإماراتية إلى ممرات تخدم مشاريع إقليمية قد تتعارض مع المصالح العليا للدولة المصرية أو القضايا العربية المركزية.
يشير الخبير الاقتصادي مصطفى يوسف إلى أن السيطرة على قطاع الموانئ يمثل اختراقاً للأمن القومي، واصفاً العروض المالية المقدمة بأنها لا تعكس القيمة الحقيقية. وأوضح أن الشركة رابحة بطبيعتها، وأن الاستحواذ عليها في ظل الأزمات المالية الحالية يسهل عملية السيطرة على مفاصل الدولة.
من جانبه، يرى السياسي محمد عماد الدين أن القيمة الحقيقية للشركة تكمن في امتلاك بيانات حركة التجارة وشبكات الشحن العالمية. وأكد أن من يدير هذه المحطات يمتلك القدرة على التأثير في كفاءة حركة الواردات والصادرات، وهو نفوذ يتجاوز المعايير المحاسبية للربح والخسارة.
تأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة صراعاً محموماً على الممرات البحرية والعقد اللوجستية، مع بروز مشاريع دولية مثل "الحزام والطريق". وتسعى الإمارات من خلال هذه الصفقات إلى حجز مقعد دائم في خارطة التجارة العالمية عبر السيطرة على المداخل البحرية الحيوية في الشرق الأوسط.
الحكومة المصرية، وفقاً لتقارير اقتصادية، لا تزال تدرس العرض الجديد بحذر، وسط ضغوط للحفاظ على الأصول الاستراتيجية. وتفضل بعض الجهات داخل الدولة الانتظار حتى تحسن التقييمات المالية للشركة، بدلاً من التخارج في وقت تعاني فيه العملة المحلية من تراجعات حادة.
يبقى السؤال المطروح في الشارع المصري حول الحدود التي يجب أن تتوقف عندها عمليات الخصخصة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمرافق لا يمكن تعويضها. فالموانئ ليست مجرد أصول تجارية، بل هي أدوات نفوذ سيادي تحدد قدرة الدولة على التحكم في حدودها واقتصادها الوطني.
إن نجاح أو فشل هذه الصفقة سيمثل مؤشراً مهماً لتوجهات السياسة الاقتصادية المصرية في المرحلة المقبلة. فإما الاستمرار في نهج بيع الأصول الكبرى لسد الفجوات التمويلية، أو العودة لتبني رؤية تحافظ على ملكية الدولة للمرافق التي تشكل عصب الأمن القومي.





שתף את דעתך
إصرار إماراتي على الاستحواذ الكامل لشركة الإسكندرية للحاويات يثير تساؤلات السيادة