كشفت معطيات ميدانية وتوثيق جغرافي حديث عن تحول ما تصفه إسرائيل بـ'المناطق الأمنية العازلة' في قطاع غزة وجنوب لبنان وسوريا من خطوط مؤقتة إلى نطاقات احتلال ونفوذ عسكري واسع. وتتجاوز المساحات الخاضعة للسيطرة المباشرة أو التأثير العسكري الإسرائيلي حالياً حاجز 1100 كيلومتر مربع، مما يشير إلى استراتيجية لترسيخ أحزمة أمنية دائمة تتفاوت بين التمركز القتالي والتحكم الميداني وفرض القيود على الحركة.
وتبرر سلطات الاحتلال هذا التمدد بدواعٍ أمنية، حيث أعلن وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس في أبريل 2025 أن الجيش لن ينسحب من المناطق التي صنفها 'آمنة' في قطاع غزة حتى في حال التوصل لتسويات مستقبلية. هذا النهج ينسحب أيضاً على الجبهة الشمالية، حيث أبقت إسرائيل على مواقع عسكرية في جنوب لبنان رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، معتبرة إياها جزءاً من منطقة عازلة جديدة.
في جنوب لبنان، أظهرت عمليات المطابقة الجغرافية لمواد مصورة نشرت مؤخراً أن التحركات الإسرائيلية امتدت لتشمل شبكة واسعة من التمركزات العسكرية الاستراتيجية. وقد وثقت مصادر ميدانية إنشاء جسر فوق نهر الليطاني، بالإضافة إلى رصد آليات وقوات داخل بلدة الطيبة، مما يعكس رغبة في تثبيت نقاط ارتكاز تتجاوز الخط الأزرق التقليدي.
ومن أبرز نقاط التمركز الإسرائيلي في لبنان تبرز قلعة الشقيف التاريخية، حيث أكدت التحققات وجود قوات الاحتلال داخلها على بعد نحو خمسة كيلومترات من الحدود. وكان وزير الأمن الإسرائيلي قد صرح صراحة بأن القوات ستبقى في هذه القلعة الاستراتيجية ضمن ما وصفها بالمنطقة الأمنية الجديدة، لضمان التفوق الميداني في القطاع الشرقي.
وتشير التقديرات المستندة إلى أدوات القياس الجغرافي إلى أن مساحة الاحتلال أو التأثير العسكري الإسرائيلي في جنوب لبنان بلغت نحو 625 كيلومتراً مربعاً. وتمثل هذه المساحة قرابة 6% من إجمالي مساحة الأراضي اللبنانية، ويقع معظمها ضمن مناطق تعرضت لأوامر إخلاء متكررة وقصف مكثف أدى لتدمير واسع في البنية التحتية.
أما في قطاع غزة، فيبدو النمط مشابهاً من حيث السعي لفرض واقع جغرافي جديد عبر توسيع 'الخط الأصفر'. ورغم مرور أشهر طويلة على تفاهمات سابقة، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مايو الماضي رفع نسبة الأراضي المشمولة بالمنطقة العازلة لتصل إلى 70% من مساحة القطاع الكلية.
وأظهرت نتائج تحليل الخرائط أن نحو ثلث مساحة قطاع غزة فقط يقع حالياً خارج نطاق الاحتلال البري المباشر أو مناطق النفوذ المعلنة. وتقدر المساحة الخاضعة للسيطرة العسكرية المباشرة بنحو 425 كيلومتراً مربعاً، حيث تنتشر القوات في محاور استراتيجية تقسم القطاع وتتحكم في مفاصله الحيوية.
الجيش لن ينسحب مما يسمى 'المناطق الآمنة' في قطاع غزة حتى بعد التوصل إلى أي تسوية مستقبلية.
وعلى الجبهة السورية، استغل الجيش الإسرائيلي التطورات الميدانية وسقوط النظام في ديسمبر 2024 للتحرك سريعاً وتجاوز خطوط اتفاق فض الاشتباك لعام 1974. وسيطرت القوات الإسرائيلية على المنطقة العازلة السابقة قبل أن توسع انتشارها إلى مواقع أعمق في محافظتي القنيطرة ودرعا، وصولاً إلى محيط جبل الشيخ الاستراتيجي.
ويحظى جبل الشيخ بأهمية استثنائية في العقيدة الأمنية الإسرائيلية، حيث أعلن يسرائيل كاتس في مطلع عام 2025 أن الجيش سيبقى في المنطقة ومحيط الجبل إلى أجل غير مسمى. ويترافق هذا التواجد مع إنشاء مواقع عسكرية دائمة وطرق إمداد ونقاط مراقبة متطورة تطل على مساحات شاسعة من الداخل السوري.
ورصدت صور الأقمار الصناعية إنشاء مواقع لوجستية جديدة شمال خط الفصل قرب مجدل شمس، حيث تتموضع القوات على عمق يزيد على كيلومترين داخل الأراضي السورية. كما شمل التوسع بلدات جباتا الخشب والحميدية والقنيطرة والقحطانية، حيث ظهرت الآليات العسكرية الإسرائيلية وهي تتحرك بحرية في تلك المناطق.
وتقدر مساحة النفوذ العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا بنحو 235 كيلومتراً مربعاً، وهي مساحة لا تخضع بالكامل لسيطرة مشاة دائمة ولكنها تقع تحت السيطرة النارية والمراقبة. وتدير إسرائيل داخل هذه المنطقة مواقع ثابتة وطرقاً عسكرية تضمن لها التدخل السريع عند الضرورة، مما يحولها إلى منطقة نفوذ فعلية.
ويتزامن هذا التوسع الميداني مع ضغوط سياسية ومطالب إسرائيلية بنزع السلاح من محافظات الجنوب السوري الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء. ويرى خبراء أن هذا التصور الأمني يهدف لإنشاء حزام أمني يمتد عملياً حتى الطريق الواصل بين دمشق والسويداء، وهو ما يضع مساحات شاسعة تحت التهديد العسكري المباشر.
إن هذه الأحزمة الأمنية التي تفرضها إسرائيل على الجبهات الثلاث تعكس تحولاً في الاستراتيجية العسكرية من 'الدفاع الحدودي' إلى 'الاحتلال الوقائي'. ومن خلال قضم الأراضي وتثبيت الوقائع الميدانية، تسعى إسرائيل لفرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية، مستندة إلى سيطرة جغرافية تجعل من العودة إلى حدود ما قبل النزاع أمراً معقداً.
في الختام، تظهر الخرائط المحدثة أن إسرائيل نجحت في اقتطاع مساحات استراتيجية من دول الجوار ومن قطاع غزة تحت غطاء المناطق العازلة. ومع استمرار بناء المنشآت اللوجستية والطرق العسكرية، يبدو أن هذه المناطق مرشحة للبقاء كأحزمة نفوذ طويلة الأمد، مما يغير الخارطة الجيوسياسية للمنطقة بشكل جذري.





שתף את דעתך
خرائط التمدد الإسرائيلي: أحزمة أمنية ومناطق نفوذ تلتهم 1100 كم مربع في غزة ولبنان وسوريا