منذ بداية الحرب على قطاع غزة، انشغل كثيرون بالسؤال عن خطة إسرائيل لليوم التالي، وافترض البعض أن غياب رؤية سياسية واضحة لدى الحكومة الإسرائيلية يعكس حالة من التخبط أو العجز عن تحديد مستقبل القطاع بعد انتهاء العمليات العسكرية، غير أن مجريات الأحداث على الأرض، والتصريحات الصادرة عن كبار المسؤولين الإسرائيليين، توحي بأن الأمر قد يكون مختلفاً تماماً، وأن ما يبدو فوضى أو ارتجالاً قد يكون جزءاً من استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والاجتماعي في غزة بصورة جذرية.
فعلى امتداد أشهر الحرب، لم يقتصر الاستهداف على البنية العسكرية أو الأمنية، بل طال مختلف مقومات الحياة المدنية، المستشفيات تعرضت للقصف أو التدمير، والمدارس خرجت من الخدمة، والجامعات أُغلقت أو دُمرت، وشبكات المياه والكهرباء انهارت، فيما تحولت أحياء كاملة إلى ركام، وفي الوقت ذاته، وجد ملايين الفلسطينيين أنفسهم بين النزوح المتكرر والجوع والحرمان وانعدام الأمن، في مشهد يتجاوز حدود العمليات العسكرية التقليدية إلى استهداف البيئة الحاضنة للحياة الإنسانية نفسها.
هذا الواقع يطرح تساؤلاً جوهرياً: إذا كانت إسرائيل لا تريد بقاء حركة حماس في الحكم، فمن الجهة التي تريدها أن تدير غزة؟ حتى الآن، لم تبدِ الحكومة الإسرائيلية استعداداً لقبول عودة السلطة الفلسطينية إلى القطاع، كما رفضت صيغاً مختلفة للإدارة الدولية أو العربية، وأعلنت مراراً أنها لا ترغب في تحمل مسؤولية إدارة غزة بشكل مباشر. وبين رفض جميع البدائل الممكنة، تبدو النتيجة الفعلية هي الدفع نحو فراغ إداري وسياسي وأمني شامل.
إن تدمير المؤسسات المدنية لا يؤدي فقط إلى إضعاف سلطة قائمة، بل يهدد بإسقاط المجتمع بأكمله في حالة من الفوضى والعجز، فعندما يُقتل أو يُهجَّر الأطباء والمعلمون والمهندسون والموظفون والخبراء، وعندما تُدمر المدارس والمستشفيات والبلديات، يصبح من الصعب إعادة بناء حياة طبيعية أو استعادة الحد الأدنى من التنظيم المجتمعي، وهنا لا يعود الحديث عن إسقاط حكومة أو حركة سياسية، بل عن تفكيك البنية الاجتماعية التي تسمح لأي مجتمع بالاستمرار.
وتزداد هذه المخاوف مع تكرار الحديث الإسرائيلي عن ما يسمى "الهجرة الطوعية" لسكان غزة، فالمصطلح الذي يبدو ظاهرياً خياراً فردياً حراً، يكتسب معنى مختلفاً عندما يأتي في سياق الحصار والتجويع والتدمير وانعدام الأفق، فالسكان الذين يُحرمون من العمل والتعليم والعلاج والسكن والأمن، قد يجدون أنفسهم أمام خيار واحد: الرحيل. وعندها تصبح "الطوعية" مجرد وصف شكلي لعملية نزوح قسري نتجت عن ظروف صُنعت عمداً أو على الأقل جرى الإبقاء عليها.
لقد كشفت تصريحات عدد من المسؤولين الإسرائيليين خلال الأشهر الماضية عن رؤية تقوم على فرض وقائع جديدة في القطاع، سواء عبر السيطرة العسكرية المتزايدة على مساحات أوسع من الأرض أو عبر إعادة تشكيل البيئة السكانية بما يخدم الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية بعيدة المدى، وفي هذا السياق، تبدو الحرب الحالية أكثر من مجرد رد عسكري على أحداث السابع من أكتوبر، إذ تتحول تدريجياً إلى مشروع لإعادة رسم مستقبل غزة سياسياً وديموغرافياً.
وفي المقابل، فإن استمرار هذا المسار يضع المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي، فالقضية لم تعد تتعلق فقط بوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية، بل بمصير مجتمع كامل يواجه خطر التفكيك الممنهج، فغزة ليست مجرد مساحة جغرافية أو ملف أمني، بل موطن لملايين البشر الذين يمتلكون حقاً أصيلاً في الحياة والكرامة والبقاء على أرضهم.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الجرائم التي تُرتكب اليوم، بل في محاولة تحويلها إلى واقع دائم ومقبول دوليًا، بحيث يصبح بقاء الفلسطيني في أرضه معجزة يومية، ويغدو التهجير النتيجة الطبيعية لمسار طويل من الإفقار والتدمير والفوضى ، وعند هذه النقطة تحديدًا، لا تكون غزة قد خسرت حربًا فحسب، بل يكون العالم قد خسر آخر ما تبقى من مصداقيته الأخلاقية والقانونية أمام واحدة من أكثر عمليات الهندسة السكانية وضوحًا في القرن الحادي والعشرين.
وفي النهاية، فإن أخطر ما في المشهد الراهن ليس حجم الدمار الهائل الذي لحق بغزة، بل احتمال أن يتحول هذا الدمار إلى أداة سياسية تُستخدم لإعادة تشكيل الواقع السكاني للقطاع وفرض حلول لم تستطع إسرائيل فرضها بالحروب السابقة، وعندها لن يكون السؤال عن خطة اليوم التالي للحرب، بل عن مستقبل شعب كامل يُدفع تدريجياً نحو الاختيار بين البقاء في جحيم دائم أو الرحيل إلى المجهول.
ה 11 יונ 2026 10:05 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
غزة بين التدمير والتهجير: هل تنفذ إسرائيل خطة اليوم التالي بالفعل؟