شهدت أروقة الأمم المتحدة في نيويورك حدثاً بارزاً تمثل في إخفاق ألمانيا في حجز مقعد غير دائم بمجلس الأمن الدولي خلال الانتخابات التي جرت في الثالث من يونيو الجاري. هذا الإخفاق أثار موجة من التساؤلات حول تراجع النفوذ الدبلوماسي لبرلين، خاصة وأنها كانت تعد من الركائز الأساسية في المنظمة الدولية.
وفي تفاصيل الاقتراع السري، تمكنت كل من البرتغال والنمسا من الفوز بالمقاعد المخصصة لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، بعد حصولهما على 134 و131 صوتاً على التوالي. في المقابل، توقف رصيد ألمانيا عند 104 أصوات فقط، مما حال دون انضمامها للمجلس للفترة الممتدة بين عامي 2027 و2028.
ويرى مراقبون وباحثون سياسيون أن هذه النتيجة تعكس رفضاً دولياً مستتراً للسياسات الخارجية الألمانية الأخيرة، ولا سيما موقفها من حقوق الشعب الفلسطيني. وقد ربطت مصادر تحليلية هذا التراجع بفقدان برلين لمصداقيتها لدى عدد كبير من دول العالم، خاصة في مناطق الجنوب العالمي.
واعتبر تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي للإدارة الرشيدة أن عدم انتخاب ألمانيا يمثل انتكاسة دبلوماسية غير مسبوقة بالنظر إلى تاريخها الطويل في الدفاع عن التعددية. وأوضح بارسي أن ألمانيا كانت تحظى بصورة إيجابية دائمة، وكان فوزها بمقعد المجلس أمراً مضموناً في كل دورة تترشح فيها.
وأشار بارسي إلى أن الفارق التصويتي الكبير لصالح البرتغال والنمسا يظهر بوضوح تآكل مستوى الثقة الدولية في التوجهات الألمانية. ورأى أن الموقف من الحرب المستمرة في قطاع غزة شكّل العامل الحاسم في هذا التحول الدراماتيكي في مواقف الدول الأعضاء بالجمعية العامة.
وتواجه برلين انتقادات حادة بسبب ما يوصف بمعاييرها المزدوجة في التعامل مع القانون الدولي وحقوق الإنسان. فبينما تتبنى مواقف صارمة في ملفات دولية معينة، يرى منتقدون أنها تغض الطرف عن الجرائم المرتكبة في غزة وتواصل تزويد الاحتلال بالأسلحة والذخائر.
الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي خلفت عشرات آلاف الشهداء والجرحى ودماراً هائلاً في البنية التحتية، وضعت الدبلوماسية الألمانية في مأزق أخلاقي وسياسي. وقد أدى استمرار الدعم العسكري والسياسي المطلق لتل أبيب إلى تشويه صورة ألمانيا كدولة قانون ومبادئ في نظر المجتمع الدولي.
عدم انتخاب ألمانيا يمثل انتكاسة دبلوماسية لافتة، بالنظر إلى المكانة التي تمتعت بها لعقود داخل الأمم المتحدة كأحد أكبر المساهمين الماليين والمدافعين عن القانون الدولي.
من جانبه، وصف الصحفي جيمس جاكسون النتيجة بأنها إحراج غير مسبوق للسياسة الخارجية التي تقودها الحكومة الحالية في برلين. وأكد أن الجهود الدبلوماسية المكثفة التي بذلتها وزارة الخارجية الألمانية خلال الأشهر الماضية لم تنجح في إقناع الدول بقدرة ألمانيا على تمثيل التوازن الدولي.
وأوضح جاكسون أن دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية باتت تلعب دوراً محورياً في تشكيل موازين القوى داخل الأمم المتحدة. ويبدو أن هذه الدول اختارت معاقبة برلين على انحيازها الواضح، مفضلةً دولاً أخرى مثل البرتغال والنمسا التي تتبنى مواقف أكثر توازناً تجاه القضايا العربية.
ورغم محاولات بعض المسؤولين الألمان تبرير الخسارة بعوامل أخرى، مثل دعم برلين لأوكرانيا، إلا أن هذا التفسير يفتقر للمنطق السياسي. فالدول التي فازت بالمقاعد، كالنمسا والبرتغال، تدعم كييف أيضاً، مما يعيد التأكيد على أن ملف غزة هو المتغير الأساسي في هذه المعادلة.
وتشير استطلاعات الرأي داخل ألمانيا نفسها إلى وجود فجوة متزايدة بين توجهات الحكومة وبين قطاعات واسعة من المجتمع الألماني الرافض للسياسات الإسرائيلية. هذا الانقسام الداخلي انعكس بوضوح على الساحة الدولية، حيث لم تعد برلين قادرة على تسويق مواقفها كإجماع ديمقراطي أو أخلاقي.
إن استعادة ألمانيا لمكانتها الدبلوماسية المفقودة قد تتطلب مراجعة شاملة وجريئة لسياساتها الخارجية تجاه الشرق الأوسط. ويرى خبراء أن الالتزام المتسق بالقانون الدولي، بعيداً عن الانتقائية السياسية، هو السبيل الوحيد لترميم الثقة مع دول الجنوب العالمي التي شعرت بالخذلان من الموقف الألماني.
المرحلة المقبلة قد تشهد نقاشاً داخلياً حاداً في ألمانيا حول جدوى الانحياز المطلق لإسرائيل على حساب المصالح الاستراتيجية والدبلوماسية للدولة. فالخسارة في الأمم المتحدة ليست مجرد فقدان لمقعد، بل هي مؤشر على تراجع القوة الناعمة لواحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم.
في الختام، يبقى مجلس الأمن بتركيبته الجديدة للفترة القادمة شاهداً على تحولات في المزاج الدولي تجاه القضايا العادلة. وسيكون على ألمانيا الانتظار لسنوات طويلة قبل أن تتاح لها فرصة أخرى لإثبات جدارتها بالعودة إلى طاولة صنع القرار الدولي، شريطة أن تنجح في تصحيح مسارها الحقوقي.





שתף את דעתך
انتكاسة دبلوماسية لبرلين: هل دفع دعم إسرائيل ألمانيا لخسارة مقعد مجلس الأمن؟