أطلقت السلطات المصرية مشروعاً جديداً تحت اسم 'كاري أون'، يهدف إلى توحيد وإعادة تأهيل أكثر من ألف مجمع استهلاكي متهالك تتبع الشركة القابضة للصناعات الغذائية. يحمل الاسم الإنجليزي دلالة على الاستمرارية، في رسالة تشير إلى مضي الدولة في مسارها الاقتصادي الحالي، مطالبة السوق بالتأقلم مع هذه المتغيرات الجديدة والمتاجر المحدثة.
يتجاوز المشروع كونه مجرد عملية تجميلية لرفوف المجمعات الاستهلاكية أو تحسين إضاءتها، إذ جرى ربطه مباشرة بصرف السلع المدعومة وبطاقات التموين ونقاط الخبز. هذا الربط يحول 'كاري أون' من مجرد كيان تجاري منافس إلى ورقة سياسية واقتصادية قوية تمتلك القدرة على توجيه القوة الشرائية لملايين المصريين نحو منافذ محددة.
تثير مشاركة 'جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة' في مراحل الإطلاق تساؤلات عديدة حول طبيعة دوره الحقيقي، سواء كان ممولاً أو مشغلاً أو مورداً. ويأتي هذا الغموض في ظل توسع أذرع الجهاز التجارية في قطاعات متعددة، مع بقائه بعيداً عن الرقابة التقليدية لديوان المحاسبة، مما يضع الشفافية المالية للمشروع على المحك.
يرى مراقبون أن هذا النمط من التدخل يعكس توجهاً متكرراً، حيث تنشأ أزمة في سلعة أساسية كالسكر أو الأرز، لتدخل بعدها جهات سيادية كلاعب دائم في القطاع. ويبدو 'كاري أون' كإطار جامع لهذه التدخلات، حيث يسعى لتقديم نفسه كمنافس يكسر هوامش الربح المتضخمة، لكنه يثير القلق حول قواعد المنافسة العادلة مع القطاع الخاص.
تعتمد قدرة المشروع على تقديم أسعار منخفضة على مسارين؛ إما كفاءة تشغيلية حقيقية في اللوجستيات، أو دعم مستتر تتحمله الموازنة العامة للدولة. وفي حال كان الخيار الثاني هو القائم، فإن ما يراه المستهلك مكسباً حالياً قد يتحول إلى دين مؤجل يدفعه المجتمع لاحقاً نتيجة غياب الرقابة المالية الدقيقة.
يبرز 'تاجر التموين' كأكبر المتضررين الغائبين عن المشهد الإعلامي، وهو صاحب الدكان الصغير الذي يمثل محوراً اجتماعياً واقتصادياً في الأحياء الشعبية والريف. إن حصر صرف البطاقات التموينية في فروع 'كاري أون' يعني تجفيف منابع الرزق لهذه الفئة، وتفكيك شبكات الائتمان غير الرسمي التي تعتمد عليها الأسر الفقيرة.
عند مقارنة الحالة المصرية بتجارب دولية، نجد أن دولاً مثل كوريا الجنوبية دعمت القطاع الخاص الوطني ولم تسعَ لإحلال القطاع الحكومي محله. فالفلسفة الاقتصادية الناجحة تقوم عادة على تمكين الشركات الوطنية وتأهيلها للمنافسة، بدلاً من خلق كيانات حكومية ضخمة تبتلع الحصص السوقية للمستثمرين الصغار والمتوسطين.
الدولة التي تُصلح بالسياسة تختلف اختلافا جوهريا عن الدولة التي تُصلح بالسيطرة، والأسواق لا تكذب على المدى البعيد.
في التجربة المغربية، اختارت الدولة دعم السلع مباشرة عبر صندوق المقاصة دون إنشاء منافذ توزيع حكومية تزاحم التجار، بهدف ضبط السعر دون امتلاك 'الدكان'. هذا التوجه يضمن وصول الدعم للمستحقين مع الحفاظ على حيوية السوق وتنوع الخيارات أمام المستهلك، وهو ما يفتقده النموذج المركزي المقترح في 'كاري أون'.
كذلك قدمت التجربة التركية نموذجاً للتدخل المؤقت عبر أسواق البلديات لكسر الاحتكارات في الأزمات، مع الحرص على الانسحاب فور استقرار السوق. هذا النوع من التدخل الجراحي يختلف جذرياً عن بناء هياكل دائمة تهدف إلى الهيمنة الطويلة الأمد على قطاع التجزئة الغذائية، مما يحافظ على توازن القوى الاقتصادية.
على الجانب الآخر، تبرز تجربة فنزويلا كتحذير من مخاطر إجهاز الدولة على القطاع الخاص تحت شعار محاربة المحتكرين وحماية الفقراء. فقد أدى التدخل المباشر والتسعير الجبري هناك إلى شح مزمن في البضائع وظهور الأسواق السوداء، مما أثبت أن المنظومات الإنتاجية التي تُهدم لا يمكن استعادتها بقرارات إدارية.
إن الأسعار المنخفضة بشكل مصطنع قد تؤدي على المدى المتوسط إلى ما يسميه الاقتصاديون 'الإفقار التنافسي'، حيث يفلس الموزعون المستقلون لعدم قدرتهم على المنافسة. وبمجرد خروج هؤلاء من السوق، يجد المستهلك نفسه أمام مورد وحيد يتحكم في الأسعار والخيارات، مما يلغي فوائد المنافسة التي كانت منشودة في البداية.
يبقى السؤال حول التكلفة التشغيلية الحقيقية لفروع 'كاري أون' وكيفية تمويلها دون إجابة واضحة من الجهات المعنية حتى الآن. غياب القوائم المالية المدققة والمنشورة بانتظام يعزز المخاوف من أن المشروع قد يكون توسعاً مؤسسياً جديداً على حساب مساحة القطاع الخاص التي تتقلص تدريجياً في الاقتصاد المصري.
المفارقة تكمن في أن المواطن الذي قد يستفيد من تخفيضات الأسعار اليوم، قد يكون هو نفسه من يدفع الثمن غداً إذا تحول المشروع إلى احتكار جديد. فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي يتطلب تعزيز التنافسية وضبط قواعد اللعبة، وليس احتكار الملعب بالكامل من قبل جهة واحدة تمتلك أدوات السلطة والتنفيذ.
في الختام، يظل مشروع 'كاري أون' اختباراً لمدى جدية الدولة في خلق توازن بين دورها الاجتماعي وكفاءة السوق الحر. الأسواق بطبيعتها لا تكذب على المدى البعيد، وستكشف الأيام القادمة ما إذا كان هذا المشروع خطوة نحو تحديث التجارة الداخلية أم مجرد أداة جديدة للسيطرة المركزية على لقمة عيش المصريين.





שתף את דעתך
مشروع 'كاري أون' في مصر: إصلاح لمنظومة التموين أم توسع في السيطرة على السوق؟