تواصل حكومة اليمين في إسرائيل فرض حالة الطوارئ كأداة سياسية استراتيجية مع اقتراب المواعيد الانتخابية المفترضة. ويرى مراقبون أن هذا الوضع يخدم الائتلاف الحاكم عبر تأجيل المحاسبة الشعبية وإخفاء التجاوزات الإدارية والقانونية بعيداً عن أعين الرقابة.
تساهم الحالة الأمنية الراهنة في صرف انتباه الرأي العام عن ملفات حساسة، أبرزها التحقيقات الجنائية وقضية التجنيد الإجباري للحريديم. كما تمنح الحرب غطاءً لتعطيل مسار الاحتجاجات ضد ما يُعرف بالانقلاب القانوني الذي تقوده الحكومة منذ فترة طويلة.
تشير القراءات السياسية إلى أن الواقع الأمني المتفجر يمثل لنتنياهو حملة انتخابية أكثر فاعلية من أي دعاية حزبية تقليدية. فالحرب تضع المجتمع في حالة اصطفاف خلف القيادة، مما يقلل من فرص طرح بدائل سياسية قوية في الوقت الراهن.
يستذكر المحللون تجارب تاريخية، حيث فاز حزب العمل بـ 56 مقعداً في الكنيست عقب حرب عام 1967، وهو إنجاز لم يتكرر. هذا النموذج يوضح كيف يمكن للانتصارات العسكرية السريعة أن تمنح الحكومات تفويضاً شعبياً واسعاً وغير مسبوق.
في المقابل، أظهرت أحداث عام 1973 أن الفشل العسكري لا يؤدي بالضرورة إلى سقوط فوري للحكومة تحت وطأة الحرب. فقد فاز حزب العمل بالانتخابات التي جرت بعد شهرين فقط من حرب أكتوبر، رغم حجم الإخفاق الذي ساد الأوساط العسكرية حينها.
لم تضطر غولدا مائير ووزير أمنها موشيه دايان للاستقالة إلا بعد مرور ستة أشهر على انتهاء المعارك، وذلك عقب صدور تقرير لجنة 'أغرانات'. ورغم أن اللجنة لم تحمل القيادة السياسية المسؤولية المباشرة، إلا أن الضغط الشعبي هو ما حسم الموقف لاحقاً.
شهدت انتخابات 1973 صعوداً ملحوظاً لحزب الليكود الذي زاد من قوته البرلمانية بنسبة تصل إلى 50 بالمئة، منتقلاً من 26 إلى 39 مقعداً. ومع ذلك، لم يتمكن اليمين من انتزاع السلطة في ذلك الوقت بسبب استمرار تأثيرات الحرب على توجهات الناخبين.
حالة الحرب تصب دائماً في مصلحة الحكومة؛ فإذا أُديرت بنجاح حققت مكاسب انتخابية، وإذا فشلت فإن الثمن لا يُدفع بالضرورة على المدى القريب.
يرى خبراء أن القاعدة غير المكتوبة في السياسة الإسرائيلية تتمثل في تجنب تغيير الحكومة خلال ذروة العمليات العسكرية. لكن بمجرد صمت المدافع، تبدأ الحسابات العامة والمطالبات بالمحاسبة، كما حدث مع إيهود أولمرت بعد حرب لبنان الثانية عام 2006.
يختلف وضع بنيامين نتنياهو الحالي عن أسلافه، حيث استمرت تداعيات فشل السابع من أكتوبر والحروب اللاحقة لقرابة ثلاث سنوات. وتتواصل المعارك في جبهات متعددة دون وجود أفق زمني واضح لنهاية العمليات العسكرية أو بدء مسار سياسي جديد.
يبرز غياب لجنة تحقيق حكومية مستقلة كأحد أهم المؤشرات على رغبة نتنياهو في تجنب عزل المسؤولين عن الإخفاق الذريع. وتعمل الحكومة على تأخير هذه الخطوة بكل الوسائل الممكنة لضمان استمرارية الائتلاف الحاكم بعيداً عن مقصلة القضاء.
تُستخدم الضربات العسكرية الأخيرة ضد أهداف في لبنان وإيران لتعزيز صورة نتنياهو كـ 'حامٍ للأمن القومي'. وتتصدر هذه العمليات العناوين الرئيسية، مما يهمش القضايا الداخلية الملحة التي كانت تهدد استقرار الحكومة قبل التصعيد الأخير.
يعاني قطاع واسع من الإسرائيليين من تبعات هذا التصعيد المستمر، حيث تعطلت الأعمال وعادت العائلات للبحث عن الملاجئ. ورغم هذه المعاناة، يبدو أن الحكومة تراهن على أن الخوف الأمني سيتفوق في النهاية على الاستياء الاقتصادي والاجتماعي.
هناك مخاوف حقيقية من استغلال التعيينات الجديدة في قادة المنظومة الأمنية، بما في ذلك رؤساء الموساد والشاباك والشرطة. فقد يتم توظيف تقارير هذه الأجهزة للتأكيد على وجود 'تأهب أمني أقصى' يمنع إجراء أي انتخابات في المدى المنظور.
في الختام، يبدو أن نتنياهو يمتلك القدرة على التلاعب بموعد الاستحقاق الانتخابي مستنداً إلى مبررات أمنية وعسكرية. هذا النهج قد يؤدي إلى تأجيل المواجهة مع الصناديق، بانتظار لحظة سياسية أكثر ملاءمة تضمن له البقاء في سدة الحكم.





שתף את דעתך
الأمن في مواجهة الصناديق: هل يستغل نتنياهو التصعيد العسكري للهروب من الانتخابات؟