تترقب الأوساط السياسية في دولة الاحتلال إجراء الانتخابات العامة في موعد أقصاه تشرين الأول/أكتوبر القادم، وسط تساؤلات جوهرية حول مصير حزب الليكود الذي يتزعمه بنيامين نتنياهو. وتأتي هذه التطورات بعد أن قدم الائتلاف الحاكم مشروع قانون لحل الكنيست والتوجه نحو انتخابات مبكرة، في خطوة استباقية تهدف إلى احتواء الأزمات الداخلية المتلاحقة.
تعد قضية إعفاء طلاب المدارس الدينية 'الحريديم' من الخدمة العسكرية الفتيل الذي أشعل الخلافات داخل أروقة الحكومة الإسرائيلية. وقد أدت هذه السجالات إلى تصدع في جدار الائتلاف، مما دفع المعارضة بقيادة يائير لبيد وحليفه نفتالي بينيت إلى إعلان الجاهزية الكاملة لخوض غمار المنافسة الانتخابية في أي وقت.
يسعى الائتلاف اليميني من خلال طرح مشروع حل البرلمان بنفسه إلى الإمساك بزمام المبادرة السياسية وحرمان المعارضة من تحقيق نصر معنوي. فالحكومة تدرك تماماً أن سقوطها بيد خصومها السياسيين سيُسوق كفشل ذريع لنتنياهو، وهو ما يحاول الليكود تجنبه عبر قيادة عملية الحل بشكل منظم.
تبرز في الأفق مخاوف جدية لدى نتنياهو من إجراء الانتخابات في شهر تشرين الأول/أكتوبر، نظراً لتزامنه مع الذكرى السنوية لهجوم السابع من أكتوبر. ويخشى رئيس الوزراء أن تتحول الحملات الانتخابية إلى منصة لمحاكمته سياسياً وشعبياً على الإخفاقات الأمنية والسياسية التي سبقت ورافقت ذلك التاريخ.
بدأت مبررات تقديم موعد الانتخابات إلى شهر أيلول/سبتمبر تكتسب زخماً واسعاً في الأيام الأخيرة كحل لفك الارتباط بذكرى أكتوبر الأليمة بالنسبة للإسرائيليين. إلا أن هذا التوجه قوبل بغضب عارم من قادة الأحزاب الحريدية، الذين هددوا بدعم مشاريع المعارضة في حال لم يتم إقرار قانون يحمي خصوصيتهم الدينية.
يمثل الحريديم نحو 13 في المائة من التركيبة السكانية في إسرائيل، ويتمسكون برفض الخدمة العسكرية بدعوى تفرغهم لدراسة التوراة. ويرى قادة هذا التيار أن الاندماج في الجيش يمثل تهديداً وجودياً لهويتهم الدينية المنغلقة، وهو ما يضعهم في صدام مباشر مع المؤسسات العلمانية والقضائية.
زادت حدة التوتر عقب قرار المحكمة العليا الإسرائيلية في حزيران 2024، والذي قضى بإلزام الحريديم بالتجنيد ووقف الدعم المالي للمؤسسات الرافضة. هذا القرار القضائي وضع حكومة نتنياهو في مأزق تاريخي، حيث باتت مطالبة بتنفيذ القانون على حلفائها الأوثق في الائتلاف الحاكم.
الصراع الحقيقي يتمحور حول الجهة التي ستقود عملية حل الكنيست سياسياً وتحصد مكسب إسقاط حكومة نتنياهو.
في المقابل، لم تقف المعارضة مكتوفة الأيدي، حيث دفع حزبا 'هناك مستقبل' و'الديمقراطيون' بمشاريع قوانين موازية تهدف إلى حل الكنيست فوراً. وتسعى هذه القوى إلى تصوير الحكومة ككيان منهار تحت وطأة الضغوط الداخلية والاحتجاجات الشعبية المتواصلة ضد سياسات نتنياهو.
إن الصراع الدائر حالياً ليس على مبدأ الانتخابات المبكرة، بل على 'صورة النصر' السياسية ومن سيقطف ثمار إنهاء عمر الحكومة الحالية. فإذا نجحت المعارضة في تمرير مشروعها، فسيظهر نتنياهو في موقف المهزوم، بينما سيحاول الأخير تصوير الخطوة كقرار سيادي لإعادة ترتيب البيت الداخلي.
تعتبر الأحزاب الحريدية بمثابة 'بيضة القبان' في هذه المعادلة المعقدة، حيث تمتلك القدرة على ترجيح كفة أي من الطرفين المتصارعين. وموقف هذه الأحزاب سيتحدد بناءً على المكاسب التي يمكن أن تحققها في ملف التجنيد والميزانيات المخصصة لمدارسها الدينية.
تشكلت حكومة نتنياهو الحالية في أواخر عام 2022، وضمت في صفوفها عناصر من أقصى اليمين القومي والديني المتطرف. وتوصف هذه الحكومة بأنها الأكثر تشدداً في تاريخ إسرائيل، حيث تبنت سياسات تصعيدية واسعة النطاق في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
تشير القراءات السياسية إلى أن أي حكومة قادمة، بغض النظر عن هوية رئيسها، ستظل محكومة بالمزاج العام الإسرائيلي الذي يتجه نحو مزيد من التطرف. فالمجتمع الإسرائيلي بمختلف شرائحه أظهر تأييداً واسعاً للعمليات العسكرية المستمرة في قطاع غزة والضفة الغربية.
إن المخرجات المتوقعة لأي عملية انتخابية قادمة لن تخرج عن إطار إنتاج منظومة سياسية تتبنى الفكر العنصري تجاه الفلسطينيين. فالإجماع الصهيوني الحالي يتركز حول استمرار السيطرة الأمنية وتوسيع الاستيطان، مما يجعل التغيير في الوجوه لا يعني بالضرورة تغييراً في السياسات الجوهرية.
يبقى المشهد السياسي الإسرائيلي مفتوحاً على كافة الاحتمالات، في ظل حالة من عدم اليقين التي تسيطر على مستقبل الليكود. ومع اقتراب المواعيد الحاسمة، تظل القدس المحتلة والضفة وغزة هي الميادين التي تدفع ثمن هذه المزايدات السياسية بين أقطاب اليمين واليمين المتطرف.





שתף את דעתך
مستقبل الليكود على المحك: صراع 'حل الكنيست' يشتعل بين ائتلاف نتنياهو والمعارضة