بينما تستمر الحرب الأمريكية مع إيران شهرًا بعد شهر دون أي نهاية تلوح في الأفق، يشهد العالم الحدود الحقيقية للقوة العالمية للولايات المتحدة. فمع انتقال الرئيس دونالد ترمب المتكرر بين التهديد بالتدمير والوعود بالسلام، يتضح بشكل متزايد أن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد قادرة على إخضاع حتى دولة متوسطة الحجم مثل إيران، فضلًا عن إبقاء بقية العالم تحت هيمنتها.
وسط كل ما يصاحب الحرب من غارات جوية وضربات بالطائرات المسيّرة وحصارات بحرية، توجد قوى جيوسياسية أعمق تمنح أحداث الخليج الفارسي أهمية تاريخية دائمة. ويمكن فهم هذه الديناميكيات بشكل أفضل من خلال مقارنة افتتاحيتين صحفيتين تفصل بينهما ثمانون عامًا تقريبًا، لكنهما تحملان تشابهات لافتة.
في عام 1942، وخلال بعض أحلك أيام بريطانيا في الحرب العالمية الثانية، نظر محررو صحيفة التايمز اللندنية إلى ما هو أبعد من الهجمات الألمانية المستمرة على قواتهم في مصر أو إغراق الغواصات النازية لسفن البحرية الملكية في الأطلسي، ليتنبؤوا بمستقبل الإمبراطورية البريطانية برؤية استثنائية. كانت الإمبراطورية البريطانية، التي كانت لا تزال تغطي ربع الكرة الأرضية، قد أصبحت بالفعل ــ بحسب وصفهم ــ «مشروعًا يتجه نحو التصفية الذاتية».
فبمجرد زوال الظروف المؤقتة التي سمحت بصعود بريطانيا، مثل الهيمنة البحرية والتفوق الصناعي وضعف المنافسين، لم يعد اعتماد الإمبراطورية النهائي على الإكراه قادرًا على الحفاظ عليها. وأشار المحررون إلى أن المستعمرات البريطانية العديدة، بعد أن أصبحت مستعدة للحكم الذاتي، ستبدأ قريبًا بالانفصال، مما سيؤدي إلى أفول الإمبراطورية. وقد ثبتت صحة هذا التنبؤ بالكامل؛ ففي غضون خمس سنوات فقط من نشر الافتتاحية، بدأت الإمبراطورية البريطانية بالفعل بالتفكك.
وفي عدد مايو/أيار 2026 من نيويورك تايمز، قدّم الكاتب والمحرر المساهم كريستوفر كالدويل توقعًا مشابهًا بشكل لافت لمستقبل الهيمنة العالمية الأمريكية. ففي مقال حمل عنوانًا مثيرًا للجدل: «أمريكا أصبحت رسميًا إمبراطورية في حالة تراجع»، أشار إلى أوجه شبه مقلقة بين وضع الولايات المتحدة اليوم ووضع بريطانيا قبل ثمانين عامًا.
فقد كانت بريطانيا آنذاك تشهد تراجعًا صناعيًا، وتعاني من التزامات مفرطة ورضا مفرط عن الذات، وانتهت الحرب العالمية الثانية وهي «مفلسة فعليًا». ومع ذلك، باستثناء محاولتها الفاشلة للسيطرة على قناة السويس عام 1956، تمكنت من إنهاء استعمارها بنجاح عبر التخلي عن الأراضي التي لم تعد قادرة على تحمل تكلفتها، بل وانتهى بها الأمر إلى الاحتفاظ بعلاقات جيدة نسبيًا مع مستعمراتها السابقة.
ويتابع كالدويل أن دونالد ترمب، مع بداية ولايته الثانية عام 2025، كانت لديه فرصة لتكرار تجربة مشابهة عبر الانسحاب إلى نطاق نفوذ أقل اتساعًا وإعادة تركيز الاهتمام الأمريكي على نصف الكرة الغربي. ورأى أن هذه الاستراتيجية قد تكون قابلة للتطبيق لأن «الأنظمة الإمبراطورية، مهما كانت تسميتها، لا تستمر إلا طالما كانت وسائلها كافية لتحقيق أهدافها».
لكن ترمب، بحسب كالدويل، لم يلتزم بهذا النهج، بل «مدد الإمبراطورية بشكل خطير» من خلال تدخله في إيران، وهو ما أصبح يشكل «نقطة تحول في تراجع الإمبراطورية الأمريكية».
تفسير التراجع الإمبراطوري الأمريكي
يرى الكاتب أن معظم الأمريكيين تأخروا في إدراك أن بلادهم كانت بالفعل قوة إمبراطورية، ولذلك ظلوا غافلين إلى حد كبير عن شيخوخة هذه الإمراطورية والتآكل التدريجي لقوتها العالمية.
فمنذ نشر المؤرخ الإنجليزي إدوارد جيبون كتابه الشهير «اضمحلال وسقوط الإمبراطورية الرومانية» في القرن الثامن عشر، اعتاد الحكام الإمبراطوريون الاعتقاد بأن إمبراطورياتهم ستدوم قرونًا طويلة كما حدث مع روما. وحتى أدولف هتلر، بحلمه المعروف بـ«الرايخ الألفي»، لم يكن سوى مثال على هذا الوهم.
لكن العصر الحديث، بما يشهده من تسارع اقتصادي وتكنولوجي، جعل تراجع الإمبراطوريات أسرع بكثير. فقد استمرت الإمبراطورية البريطانية العالمية نحو 90 عامًا فقط (1857–1947)، بينما لم تعش الإمبراطورية السوفيتية في أوروبا الشرقية سوى 40 عامًا تقريبًا (1945–1989). وبالتالي فإن بقاء الإمبراطورية الأمريكية العالمية نحو 80 عامًا (1945–2026) يمكن اعتباره عمرًا طبيعيًا تقريبًا لإمبراطورية حديثة.
ويشير الكاتب إلى أن النظام العالمي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال مؤسسات مثل:
* International Monetary Fund (صندوق النقد الدولي).
* World Bank (البنك الدولي).
* World Trade Organization (منظمة التجارة العالمية).
قد ساهم في تحقيق ثمانين عامًا من النمو الاقتصادي العالمي المستمر. ولهذا فإن تراجع الحصة الأمريكية من الاقتصاد العالمي لا يُعدّ دليلًا على فشلها بقدر ما يعكس نجاحها في تنمية الاقتصاد العالمي.
فقد انخفضت حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي من نحو 50% عام 1945 إلى أقل من نصف ذلك اليوم، بينما أصبحت الصين تنتج حوالي 20% من الناتج الاقتصادي العالمي وفق معيار تعادل القوة الشرائية، مقابل 15% للولايات المتحدة و14% للاتحاد الأوروبي.
أخطاء جيوسياسية وتراجع النفوذ
يرى ماكوي أن السبب الأعمق للتراجع الأمريكي يتمثل في سوء إدارة موقعها الجيوسياسي في أوراسيا خلال العقود الأخيرة.
فبعد انتصارها في الحرب الباردة، انشغلت الولايات المتحدة بحروب طويلة ومكلفة في:
* Afghanistan.
* Iraq.
بين عامي 2001 و2021، وهو ما كلفها تريليونات الدولارات وآلاف القتلى الأمريكيين وملايين الضحايا المدنيين.
وفي الوقت نفسه، راكمت الصين احتياطيات هائلة من العملات الأجنبية، استثمرتها في مبادرة:
* Belt and Road Initiative
التي ربطت أجزاء واسعة من أوراسيا بشبكات طرق وسكك حديدية وموانئ وخطوط أنابيب.
ويجادل الكاتب بأن سياسات ترمب خلال ولايته الثانية زادت من إضعاف الموقف الأمريكي، سواء عبر توتير العلاقات داخل:
* North Atlantic Treaty Organization.
أو عبر تدخله في إيران وما ترتب عليه من اضطراب إمدادات النفط الآسيوية وتآكل الثقة لدى الحلفاء الآسيويين.
الطاقة: العامل الحاسم في صعود وسقوط الإمبراطوريات
يعتبر الكاتب أن الطاقة هي العامل الأعمق والأكثر تجاهلًا في تاريخ الإمبراطوريات.
فقد ارتبط:
* صعود إسبانيا والبرتغال بنظام المزارع المعتمد على العبيد.
* صعود هولندا باستغلال طاقة الرياح.
* صعود بريطانيا بالفحم والمحرك البخاري.
* صعود الولايات المتحدة بالنفط.
أما اليوم، فيرى أن الصين تقود ثورة جديدة في الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ما يمنحها أفضلية اقتصادية متزايدة.
ويشير إلى أن الصين تنتج:
* (80 %) من الألواح الشمسية في العالم.
* (70 %) من السيارات الكهربائية عالميًا.
بينما أدت سياسات ترمب إلى التراجع عن كثير من المبادرات الأمريكية في مجال الطاقة الخضراء.
عواقب تراجع أمريكا
يؤكد الكاتب أن عالم «السلام الأمريكي» (Pax Americana) قد انتهى فعليًا، لكن العالم الذي سيأتي بعده لن يكون بالضرورة أفضل.
ففي غياب قوة عظمى قادرة على دعم النظام الدولي، قد يصبح العالم:
* أكثر تعقيدًا.
* أكثر تعددية قطبية.
* وأكثر عرضة للصراعات الإقليمية.
ويتوقع أن تلعب التكتلات الإقليمية، مثل:
* Association of Southeast Asian Nations
* Mercosur
* European Union
دورًا أكبر في إدارة النزاعات وتحقيق التوافقات السياسية.
كما يحذر من احتمال زيادة سباقات التسلح النووي وانتشار الأسلحة النووية بين الدول المتوسطة الحجم الساعية إلى ضمان أمنها.
الخلاصة
يختتم ألفريد ماكوي مقاله بفكرة مفاجئة: رغم أخطاء الولايات المتحدة الكثيرة وتناقضاتها، فإن النظام العالمي الذي قادته أتاح فرصًا للتقدم والازدهار أكثر مما فعلته قوى عظمى سابقة وربما أكثر مما ستفعله القوى التي قد تخلفها.
ولذلك يختتم مقاله بالقول:«ارقد بسلام يا Pax Americana (السلام الأمريكي)، سوف نفتقدك».
وهو تعبير يعكس اعتقاده بأن تراجع الهيمنة الأمريكية، رغم ما قد يحمله من فرص لبعض الدول، قد يؤدي أيضًا إلى عالم أقل استقرارًا وأكثر اضطرابًا.
ה 04 יונ 2026 10:05 am - שעון ירושלים





שתף את דעתך
ما بعد أمريكا