ليست أزمة الفلسطيني مع الحكم نتاج أخطاء سياسية عابرة، ولا نتيجة أداء حكومة أو قيادة بعينها، بل هي أزمة أعمق بكثير، تشكلت داخل واقع تاريخي فريد تداخلت فيه سلطة الاحتلال مع السلطة الوطنية حتى أصبح الفصل بينهما أمراً بالغ الصعوبة. ومن هذا التداخل ولدت واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيداً في التجربة الفلسطينية المعاصرة: إشكالية العلاقة بين الشعب والسلطة.
ففي معظم تجارب الشعوب تكون العلاقة السياسية واضحة المعالم. هناك سلطة وطنية تحكم، وشعب يراقب ويحاسب ويؤثر في قراراتها. أما في حالات الاحتلال التقليدية، فثمة قوة محتلة يواجهها الشعب بوصفها مصدر السيطرة والقهر. لكن الفلسطيني عاش وما يزال يعيش حالة مختلفة تماماً؛ حالة تتداخل فيها السلطة الوطنية مع سلطة الاحتلال داخل المجال السياسي نفسه، بحيث يصعب أحياناً تحديد حدود المسؤولية وحدود القدرة وحدود القرار.
ولفهم هذه المعضلة لا بد من العودة إلى الطريقة التي تشكل بها الوعي الفلسطيني تجاه مفهوم السلطة.
فعلى امتداد عقود طويلة، لم يعرف الفلسطيني السلطة بوصفها مؤسسة وطنية تمثله، بل عرفها بوصفها سلطة احتلال. كان معنى السلطة هو الحاكم العسكري، والجندي، والحاجز، والأوامر التي تصدر من خارج المجتمع لا من داخله. كانت السلطة تمارس السيطرة دون تمثيل، وتفرض القرارات دون مشاركة. ولذلك تشكلت علاقة قائمة على الحذر والرفض والمقاومة أكثر مما تشكلت علاقة قائمة على الشراكة أو الثقة.
في ظل هذه التجربة التاريخية الطويلة، ترسخ في الوعي الجمعي أن السلطة هي الطرف الذي يملك القوة ويفرض القيود، لا الطرف الذي يعبر عن الإرادة العامة أو يخضع للمساءلة الشعبية. ولم تتح للفلسطيني فرصة تاريخية كافية لبناء علاقة طبيعية مع سلطة وطنية مستقلة، كتلك التي نشأت في تجارب الدول الأخرى.
وعندما تأسست السلطة الفلسطينية، بدا وكأن هذه العلاقة مرشحة للتغيير. فقد ظهرت للمرة الأولى مؤسسات تحمل هوية وطنية فلسطينية وتدير شؤون الفلسطينيين. لكن المشكلة أن هذه السلطة لم تولد بعد نهاية الاحتلال، بل نشأت في ظله. حملت الملامح الوطنية، لكنها عملت داخل فضاء ما زال الاحتلال يسيطر على حدوده الأساسية.
هنا تحديداً بدأ التداخل الذي سيصنع جوهر الأزمة الفلسطينية مع الحكم.
فمن ناحية، أصبحت هناك سلطة فلسطينية تمثل الإطار الوطني وتدير الحياة اليومية للمواطن. ومن ناحية أخرى، بقيت سلطة الاحتلال هي صاحبة السيطرة النهائية على الأرض والمعابر والحدود والموارد وجزء كبير من القرار السياسي والأمني. وبذلك لم تنتقل العلاقة من سلطة الاحتلال إلى سلطة وطنية مستقلة، وإنما أصبحت العلاقتان متداخلتين ومتراكبتين فوق بعضهما البعض.
وجد الفلسطيني نفسه أمام واقع جديد لم يألفه من قبل. فالوجه الذي يراه يومياً فلسطيني، لكن جزءاً مهماً من القوة الفعلية ما يزال خارج الإرادة الفلسطينية. والمؤسسات التي يتعامل معها وطنية، لكن قدرتها على الفعل مقيدة بعوامل لا تملك السيطرة عليها بالكامل. وهكذا اختلطت في الوعي الشعبي صورة السلطة الوطنية بصورة السلطة التي ما زالت خاضعة لشروط الاحتلال.
ومن هنا نشأت معضلة الموقع السياسي للشعب الفلسطيني نفسه.
فالفلسطيني لا يقف في مواجهة سلطة واحدة، بل بين سلطتين متداخلتين. يقف الاحتلال بين الشعب وسيادته الوطنية الكاملة، بينما تقف السلطة الفلسطينية بين الشعب وبين الاحتلال. ولذلك فإن العلاقة السياسية لم تعد علاقة مباشرة بين شعب وسلطة، ولا بين شعب واحتلال، وإنما أصبحت علاقة مثلثة ومعقدة تتوزع فيها الأدوار والمسؤوليات بصورة غير مستقرة.
في الظروف الطبيعية يعرف المواطن أين يوجه مطالبه وأين يمارس حقه في المحاسبة. أما الفلسطيني فيجد نفسه أمام واقع ضبابي. فعندما تواجهه أزمة اقتصادية أو اجتماعية أو سياسية، لا يكون واضحاً دائماً أين تبدأ مسؤولية السلطة الفلسطينية وأين تنتهي، وأين تبدأ مسؤولية الاحتلال وأين تتجلى آثاره. وحتى عندما يحاول تحديد مصدر المشكلة، يكتشف أن الطرفين حاضران بدرجات مختلفة داخل المشهد نفسه.
هذا التداخل لم ينتج فقط التباساً في تحديد المسؤولية، بل أحدث تحولاً أعمق في طبيعة العلاقة مع الحكم. فالسلطة الفلسطينية، بحكم قربها من المواطن، أصبحت عنواناً يومياً للغضب والانتقاد. لكن الاحتلال، بحكم سيطرته الفعلية على كثير من عناصر الواقع، بقي حاضراً بوصفه المسبب الأساسي لكثير من الأزمات. وبين الطرفين وجد المواطن نفسه عاجزاً عن بناء علاقة مستقرة مع أي منهما.
ومع مرور الزمن، تحولت الأزمة من أزمة أداء إلى أزمة مفهوم. لم يعد السؤال متعلقاً فقط بكفاءة السلطة أو نجاحها أو فشلها، بل بطبيعة السلطة نفسها وموقعها داخل البنية السياسية القائمة. فالفلسطيني الذي نشأ على مقاومة سلطة الاحتلال، وجد نفسه أمام سلطة وطنية لا تستطيع الانفصال الكامل عن شروط الاحتلال، فاختلطت الصور وتداخلت المفاهيم.
لكن النتيجة الأخطر لهذا التداخل ظهرت في مجال آخر: مجال التأثير الشعبي.
فالشعوب عادة تملك عنواناً سياسياً واضحاً تتجه نحوه مطالبها وضغوطها ونضالاتها. أما الفلسطيني فقد وجد نفسه أمام مركزين للسلطة. فإذا وجه جهده نحو الاحتلال، اصطدم بحقيقة أن الاحتلال لا يخضع لمنطق المساءلة الشعبية. وإذا وجه جهده نحو السلطة الفلسطينية، اصطدم بحدود قدرتها الفعلية في ظل استمرار الاحتلال.
وهكذا تشتتت طاقة المجتمع الفلسطيني بين مسارين متوازيين. جزء منها يتجه إلى مقاومة الاحتلال، وجزء آخر يتجه إلى مساءلة السلطة الوطنية. لكن أياً من المسارين لم يكن قادراً وحده على تحقيق التغيير المنشود. فالاحتلال احتفظ بمفاتيح القوة الأساسية، والسلطة بقيت محكومة بقيود تحد من قدرتها على الاستجابة الكاملة لمطالب المجتمع.
ومع الزمن لم يضعف التأثير فحسب، بل ضاع مركز التأثير نفسه. فلم يعد واضحاً لدى المواطن أين ينبغي أن يركز جهده السياسي، ولا أي جهة تملك فعلاً القدرة على الاستجابة لإرادته. ومن هنا نشأ جزء كبير من الإحباط السياسي الذي يسود المجتمع الفلسطيني اليوم.
وعندما يضيع مركز التأثير، تتراجع الثقة بالفعل السياسي كله. وعندما تتراجع الثقة بالفعل السياسي، تتآكل الثقة بالسلطة نفسها. وهكذا فإن النفور المتزايد من السلطة في الحالة الفلسطينية ليس سبب الأزمة، بل أحد نتائجها. أما أصل الأزمة فيكمن في ذلك التداخل المستمر بين الاحتلال والسلطة، والذي جعل الفلسطيني يعيش لعقود داخل فضاء سياسي ملتبس، تتداخل فيه السيادة مع القيد، والمسؤولية مع العجز، والقرار الوطني مع شروط الاحتلال.
لهذا فإن المعضلة الفلسطينية الأعمق ليست فقط معضلة التحرر من الاحتلال، بل أيضاً معضلة بناء علاقة سياسية طبيعية بين الشعب والسلطة. وهي علاقة لن تستقر بصورة كاملة إلا عندما تزول حالة التداخل التي حكمت التجربة الفلسطينية لعقود طويلة، ويصبح الحكم تعبيراً خالصاً عن الإرادة الوطنية الحرة، لا واقعاً عالقاً بين سلطتين وحدود سيادة غير مكتملة.





שתף את דעתך
حين يتداخل الاحتلال بالسلطة: كيف تشكلت أزمة الفلسطيني مع الحكم؟