من دون خطوات فلسطينية وعربية، مكملة لقرارات المحكمة الجنائية الدولية، ورفدها بملفات جرائم تتضخم كل ساعة، فإن مذكرات التوقيف الصادرة ضد مسئولين إسرائيليين عن المحكمة، بتهم ارتكاب جرائم حرب وضد الإنسانية، ستبقى فاعليتها محدودة ومعنوية، وتعيد طرح النقاش المتعلق بالاهتمام الفلسطيني الرسمي بالتواصل مع الجهات العربية والدولية الفاعلة بهذا الشأن، مع تراجع الخطاب الفلسطيني أيضا المتعلق بالتركيز على هذا الملف الهام، والذي يعد عملياً آخر الأسلحة المتبقية في الجعبة الفلسطينية النازفة، فبعد كل قرار مماثل عن المنظمات الدولية والمحاكم، نواكب ترحيب فلسطيني بها، سرعان ما يختفي ويتم نسيان ما قبله، أي لا يتحول لبرنامج عمل يومي ضروري وهام. وهنا السؤال عن الفاعلية المرجوة، إذا كان التوجه النضالي " السلمي والقانوني "على هذا النحو القاتل والمجهض لجملة التراكمات النضالية من حركات مقاطعة إسرائيل على مستوى العالم وقرارات المحاكم الدولية التي تدين جرائم الاحتلال، لا تستنفر الجهود الذاتية، لأداء الدبلوماسية الفلسطينية التي تتبعها العربية بالطبع، فمصيرها الإجهاض.
وعليه نتذكر أن ما يجعل التمييز بين العدالة والظلم ليس فقط بالتذكير المستمر بواجب وفاء المحاكم الدولية لنظامها الأساسي، وولايتها بإقامة العدل على مبادئ العدالة الدولية، بل التمسك بذلك باعتباره اختبار مباشر للمصداقية الذاتية للنضال القانوني والسلمي، وامتحان لمصداقية حماية الضحايا وحقوقهم في وطنهم. لم يعد أحد يطرح قرار محكمة لاهاي بخصوص إزالة جدار الفصل العنصري ولا تقرير " غولدستون ووليم شاباس "، مع أنهم بشرا بولادة جديدة للعدالة الدولية عند صدورهما بين عامي 2009-2014، وكذلك فعلت المحكمة الجنائية الدولية بتصنيف نتنياهو ووزير حربه السابق غالانت، كمجرمي حرب وإبادة جماعية وأصدرت مذكرات توقيف ضدهم، ويقال في أخبار اليومين الماضيين أن هناك مذكرات توقيف سرية أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق خمسة مسئولين إسرائيليين، وهناك تحرك متململ في الاتحاد الأوربي بفرض عقوبات على إسرائيل، وتعليق التجارة معها ومعاقبة عصابات المستوطنين عقاباً لها على سياسات العدوان والفصل العنصري، لكن هذا التململ بحاجة لتصليب بمواقف حاشدة فلسطينيا وعربياً، لكن للأسف تبدل واقع العرب والفلسطينيين منذ ترك مفاتيح العدالة الدولية، ولم يعد هناك إجماع لا بفرض عقوبات على إسرائيل ومقاطعتها، ولا بمواجهة جرائمها التي تعاظمت بفعل التراخي المخزي معها.
فكل مرة يسجل فيها الضحايا الفلسطينيون انتصاراً بمعركة قانونية ودبلوماسية، يتم الالتفاف والتآمر عليها، لإفلات اسرائيل من العقاب، وتتم تسوية من نوع ما بين وكلاء الضحايا وبين جلادهم، وهذا حصل بوقائع كثيرة ويحصل كل يوم، وملف الجدار وتقرير غولستون شاهدين نافرين على ذلك، مع متابعة ملف مذكرات الجنائية الدولية أو دعم بعض المواقف الدولية المطالبة بفرض عقوبات على إسرائيل واتخاذها خطوة قطع العلاقات معها.
باب العدالة لن يغلق، والشكوى من نفوذ أمريكا وتغلغل لوبيات المؤسسة الصهيونية، كُسر مع سردية صهيونية في شوارع القارات الخمس، لسبب بسيط أن حاجة الشعب الفلسطيني للعدالة اقترنت بوعي عالمي يتشكل بفضح جرائم الاحتلال لنفسها، لكن تسليط الضوء على هذه الحاجة يبقى منقوصاً بجناية عدم التسلح بها فلسطينياً وعربياً، وتصطدم امنياتنا كل مرة ومع كل موقف وقرار يناصر عدالة قضية وشعب، بواقع سياسي يمنح المجرم أشكال متعددة للإفلات من العقاب تتعارض كل مرة مع واقع سياسي يُظهر أشكال متعددة للإفلات من العقاب، بعد أن أصبحت الإشارة للقانون الدولي، أحد المكونات الأساسية للعبة سياسية وجيوسياسية، والسياق الحالي ليس سياق الإقرار بعدالة قضايا الشعب الفلسطيني كما يراها البعض العربي والفلسطيني، على أهمية مقاضاته في المحاكم الدولية، بل سياق توسيع إرهاب وعدوان إسرائيل في المنطقة وهو ما يعيد ويلزم الجميع الإقلاع عن التلعثم والتردد والتمييع والامتثال للضغوط، لأن فاشية وجرائم الاحتلال ومستعمريه تمنح الضحايا فرص لا تنضب في إعادة فتح ملفات جرائمه ، قبل أن يغلق عليها باب المساومة وتلك جناية لا يغفرها الضحايا.





שתף את דעתך
الجنائية الدولية وجناية عدم التسلح بها