تأتي الدورة الأربعون لمعرض تونس الدولي للكتاب لتؤكد من جديد أن الكتاب ليس مجرد وعاء للحروف والكلمات، بل هو معمار متين من المعاني والقيم التي تشكل وعي الشعوب. إن الوظيفة الحقيقية للكتاب تتجاوز الترف الفكري لتصبح أداة استراتيجية تضاهي في تأثيرها منصات إطلاق الصواريخ، حيث يمثل الحصن الأول في الدفاع عن الأوطان وحماية سيادتها.
لقد أثبت التاريخ أن الثورات الكبرى والحضارات العظيمة لم تقم إلا على أساس 'النص'، سواء كان فلسفياً أو دينياً أو قانونياً. فالكتاب الذي يستحق هذه التسمية هو الذي يرتقي بالكائن البشري إلى مرتبة الإنسان الحر المكرم، الذي يمتلك إرادة وقيمًا تحتكم إلى شرائع واضحة ومعايير أخلاقية تنبع من وعيه الذاتي وذائقته السوية.
وترتبط نهضة الأمم وتمدنها بمدى تعلقها بالكتاب وقدرتها على إنتاج المعرفة، فكلما اقتربت الشعوب من القراءة والبحث، زادت حظوظها في تحقيق الرفاه والأمان. وفي المقابل، يؤدي الابتعاد عن الكتاب والاستعاضة عنه باللغو والتفاهة إلى السقوط في فخ التخلف والتبعية والفوضى التي تنهك جسد الأمة.
إن المعركة الحقيقية التي يجب على النخبة خوضها اليوم هي معركة ثقافية بامتياز، تتركز على البرامج والتصورات قبل المواقع والأسماء. هي مواجهة ضد 'قوات احتلال' فكرية تحاول السيطرة على الوعي والمصطلحات والروح، لإدراك القوى المعادية أن السيطرة على الجغرافيا تبدأ أولاً باحتلال العقول.
الفعل الثقافي في جوهره هو فعل حر ينبع من الشعور بالمسؤولية والطاقة الإبداعية الكامنة، وهو القادر على اقتحام عوالم السكون والرداءة. لا يحتاج هذا الفعل إلى مؤسسات وهياكل إلا من باب التيسير والخدمة، بعيداً عن محاولات التوجيه وبسط النفوذ التي قد تمارسها السلطات على أهل الفكر والإبداع.
تعتبر وزارات التربية والثقافة والشؤون الدينية، بالإضافة إلى مؤسسات الإعلام، حقولاً لاستنبات المعاني وإنتاج الوعي الوطني. ومع ذلك، يرى مراقبون أن هذه المؤسسات ظلت لفترات طويلة أشبه بالقلاع المغلقة التي يصعب اختراقها أو تغيير نهجها التقليدي الذي لا يخدم دائماً تطلعات الشعوب نحو التحرر.
لقد ركز العقل الاستعماري جهوده على إعادة برمجة العقل العربي من خلال التدخل في برامج التربية والخطاب الديني والتعبيرات الثقافية. واستعان في ذلك بخبراء في 'هندسة العقل القابل للاستعمار'، بهدف خلق روح مهادنة للظلم والإذلال، ومستسلمة للواقع المفروض دون مقاومة فكرية.
إن الكِتابَ هو أخطرُ وظيفةً من منصّة إطلاق صواريخ، وإن الثقافة هي أعظمُ حصن لصدّ العدوان ولحماية الأوطان.
ولأن اللغة العربية هي الحاملة لمضامين الهوية وقيم الحياة، فقد سعى المستعمر جاهداً لإفراغها من محتواها الثوري والجمالي. كان الإدراك الاستعماري واضحاً بأن إخضاع الأرض لا يتم دون 'احتلال' اللغة، كونها الأقدر على استثارة الهمم وتحويل الجماهير من جموع هامدة إلى حشود ثائرة.
بعد أحداث عام 2011، كان المنتظر هو تحرير هذه القلاع الثقافية والتعليمية عبر إشراك النخب والمثقفين في وضع مشاريع إحيائية شاملة. إن بناء ثقافة وطنية أصيلة وبرامج تربوية حديثة هو الضمانة الوحيدة للحفاظ على مكتسبات الثورات وحمايتها من الانتكاس أو التراجع.
يبرز واجب النخبة الثقافية اليوم في الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التاريخية، ليكونوا 'علامات' يستضيء بها الناس في أوقات التباس المفاهيم. المثقف الحقيقي لا يمارس الوصاية ولا يتعالى على مجتمعه، بل يمارس دور الكشف عن الحقائق ويرافق حركة الناس في مسيرتهم نحو المصير التحرري المنشود.
على السلطات السياسية ألا تخشى من المثقفين أو تسعى لإخضاعهم، لأن ذلك لا ينتج إلا منافقين يتحاشون قول الحقيقة طمعاً أو خوفاً. إن إسكات صوت المثقف يطفئ الشموع التي تضيء الطريق للحاكم والشعب على حد سواء، ويمثل إضراراً مباشراً بالمصلحة الوطنية العليا.
تعرضت المجتمعات العربية لما يمكن وصفه بـ 'النهب الثقافي'، وهو أخطر من نهب الثروات المادية، حيث جرى تحويل الثقافة إلى أنشطة فلكلورية تافهة. هذا النوع من 'التلويث الثقافي' يهدف إلى إلهاء الناس وصرف أنظارهم عن قضايا الفساد والظلم، مما يضعف قدرتهم على التمييز بين النافع والضار.
إن الجريمة الكبرى التي ترتكب ضد المجتمع هي تزييف وعي المواطنين وإشغالهم بالفراغ والزيف بعيداً عن قضايا وطنهم الحقيقية. ومن يساهم في هذا التزييف من المحسوبين على الفن والإبداع يضعون أنفسهم في خانة المعادين لمصالح الوطن، لأنهم يساهمون في هدم صرح المواطنة الواعية.
في الختام، تظل الثقافة هي القلعة الأخيرة للتحرر، والكتاب هو السلاح الأمضى في معركة الوعي المستمرة. إن استعادة دور المثقف العضوي المرتبط بقضايا شعبه هو السبيل الوحيد لمواجهة الاستبداد والتبعية، وبناء مستقبل يقوم على الحرية والكرامة والسيادة الوطنية الكاملة.





שתף את דעתך
الثقافة كحصن للتحرر: قراءة في دور الكتاب ومعارك الوعي العربي