ד 29 אפר 2026 7:20 pm - שעון ירושלים

ما وراء الميادين المشتعلة: هل يمتلك العرب مشروعاً للنهوض الحضاري؟

تتجه الأنظار العربية والدولية اليوم نحو ثلاث مناطق استراتيجية تختصر خارطة الصراعات الكبرى في المنطقة، حيث يبرز مضيق هرمز كساحة رئيسية للتجاذب الأمريكي الإيراني الذي يلقي بظلاله على الاقتصاد العالمي. وفي جنوب لبنان، وتحديداً في بنت جبيل، تتبلور ملامح المواجهة العسكرية بين المقاومة والاحتلال الإسرائيلي، وهي مواجهة سترسم نتائجها مستقبل التوازنات الإقليمية.

أما في قطاع غزة، فإن استمرار حرب الإبادة الإسرائيلية يضع القضية الفلسطينية برمتها أمام منعطف تاريخي حاسم. إن مآلات هذا الصراع لن تحدد فقط مصير المقاومة في القطاع، بل ستمتد آثارها لتشمل مستقبل الحقوق الوطنية الفلسطينية والجهود الدولية الرامية لإيجاد حلول سياسية في ظل انسداد الأفق الراهن.

ورغم مركزية هذه الجبهات الثلاث، إلا أن المشهد العربي لا يمكن اختزاله فيها وحدها، إذ يعاني الجسد العربي من جراح نازفة في مناطق أخرى لا تقل خطورة. ففي فلسطين، تتصاعد وتيرة التهويد في القدس والضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948، مما يشير إلى مخطط صهيوني شامل يستهدف الوجود الفلسطيني بكافة أشكاله.

وفي المشهد السوري، لا تزال البلاد ترزح تحت وطأة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتدخلات الخارجية التي تعيق محاولات إعادة البناء والاستقرار. تواجه الدولة السورية تحديات معقدة في سعيها لتأسيس قواعد جديدة للحكم، وسط بيئة إقليمية مضطربة تزيد من صعوبة التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

أما السودان، فيعيش مأساة إنسانية ناتجة عن الحرب الأهلية التي دمرت البنية التحتية وأدخلت البلاد في نفق مظلم من الأزمات الأمنية والمعيشية. ويتزامن ذلك مع عدم استقرار الوضع في ليبيا، واستمرار الصراعات في اليمن التي استنزفت مقدرات الشعب اليمني على مدار سنوات طويلة من الحرب والدمار.

وفي العراق، لا يزال البحث عن الاستقرار السياسي والأمني هدفاً بعيد المنال في ظل التجاذبات الإقليمية والدولية التي تؤثر على قراره السيادي. وقد تركت المواجهات غير المباشرة بين القوى الكبرى تأثيرات واضحة على الاقتصاد العراقي، مما جعل المواطن يواجه تحديات معيشية صعبة رغم الثروات الطبيعية التي تمتلكها البلاد.

دول الخليج العربي ليست بمنأى عن هذه التحولات، فهي تعيش تحت وطأة التهديدات الأمنية المحيطة بالمنطقة وتواجه تحديات داخلية تتعلق بالتحول الاقتصادي. وفي الوقت نفسه، يغيب الدور الفاعل للمؤسسات العربية المشتركة، مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، في حل النزاعات البينية أو صياغة موقف موحد.

وسط هذا الركام من الأزمات، يبرز تساؤل جوهري حول مصير 'المشروع العربي' وما إذا كان هناك أمل في نهوض جديد يتجاوز حالة الانكسار الراهنة. وقد جاء كتاب الدكتور ساسين عساف 'مشروع النهوض العربي' ليطرح أفكاراً في التجدد الحضاري، محاولاً إعادة إحياء النقاش حول مفاهيم الوحدة والسيادة والاستقلال.

يستعرض عساف في مؤلفه التحولات التاريخية للعروبة وتطور الحركة القومية، مسلطاً الضوء على تجربة الرئيس جمال عبد الناصر ومحاولات المفكرين العرب لتجديد الفكر النهضوي. ويرى الكاتب أن الأزمات الحالية تتطلب العودة إلى المبادئ الأساسية التي قامت عليها الحركات التحررية العربية مع مواءمتها مع متطلبات العصر.

إن المشروع النهضوي الذي يطرحه الكتاب يتجلى في أربعة أركان أساسية هي: الوحدة، الديمقراطية، مواجهة الاحتلال، والتجدد العلمي والحضاري. وهذه الأسس تهدف في جوهرها إلى بناء 'المجتمع المقاوم' الذي يمتلك القدرة على الصمود أمام المشاريع الخارجية التوسعية التي تستهدف تفتيت المنطقة.

لكن الواقع المرير يشير إلى أن معظم الأحزاب والحركات العربية، سواء كانت قومية أو إسلامية أو ليبرالية، قد فشلت في تحويل هذه الشعارات إلى برامج عمل واقعية. بل إننا نشهد اليوم تراجعاً مخيفاً، حيث أصبح الحفاظ على كيان الدولة القطرية غاية في حد ذاته، متقدماً على حلم الوحدة العربية الكبرى.

لقد باتت حماية الأنظمة السياسية وتثبيت أركان الحكم أولوية تتقدم على صون الحريات العامة وحماية حقوق الإنسان أو ممارسة الديمقراطية الحقيقية. وأصبح اللجوء إلى القوى الخارجية والارتهان لإرادتها هو السبيل المفضل لدى الكثيرين لحل المشكلات الداخلية، مما أدى إلى تآكل السيادة الوطنية في العديد من الأقطار.

هذا الواقع يؤكد الحاجة الماسة لإجراء تقييم شامل وعميق للواقع العربي والإسلامي، والبحث في الأسباب الحقيقية للفشل الذي رافقنا طوال القرن الماضي. إن الخروج من المأزق يتطلب تفكيراً 'خارج الصندوق' يتجاوز القوالب الأيديولوجية الجامدة التي لم تعد قادرة على تفسير الواقع أو تغييره.

يبقى السؤال مفتوحاً: هل ستكون الحروب والأزمات الراهنة دافعاً لولادة رؤية عربية إسلامية جديدة تحقق التحرر والنهوض المنشود؟ أم أن هذه الصراعات ستدفع بالمنطقة نحو مزيد من التفتت والتبعية للقوى الخارجية؟ إن المستقبل مرهون بالقدرة على إطلاق حوار عربي شامل يضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار.

תגים

שתף את דעתך

ما وراء الميادين المشتعلة: هل يمتلك العرب مشروعاً للنهوض الحضاري؟

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.