تقترب المواجهة العسكرية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتعاون مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد إيران من دخول شهرها الثالث. ورغم كثافة العمليات العسكرية التي وُصفت بأنها مخالفة صارخة للقانون الدولي، إلا أن الميدان لا يزال يشهد استعاراً للعمليات رغم محاولات التهدئة وفتح مسارات تفاوضية لم تصل إلى نتائج ملموسة حتى الآن.
تؤكد المعطيات الميدانية أن الهدف الاستراتيجي الذي وضعه البيت الأبيض منذ الأسبوع الأول للحرب، والمتمثل في إسقاط النظام الإيراني، قد مني بالفشل. فقد أظهرت مؤسسات الدولة في طهران قدرة عالية على الصمود واستيعاب الصدمات العسكرية الكبرى التي استهدفت مفاصل القيادة والسيطرة بشكل مباشر وغير مسبوق.
شكل استشهاد المرشد الأعلى الإمام علي الخامنئي، إلى جانب ثلة من كبار القادة العسكريين والسياسيين، الاختبار الأصعب للنظام الإسلامي. ومع ذلك، استطاعت إيران تجاوز هول الفقد عبر سرعة فائقة في إعادة تنظيم صفوفها القيادية، وهو ما تجلى في انتخاب الإمام مجتبى الخامنئي مرشداً جديداً للبلاد لضمان استمرارية القرار السياسي والعسكري.
لم تقتصر المواجهة على الداخل الإيراني، بل امتدت لتشمل تنسيقاً عسكرياً واسع النطاق مع قوى إقليمية في لبنان واليمن والعراق. هذا المحور، الذي انضمت إليه جبهة غزة المنخرطة في ذات المصير، شكل ضغطاً إضافياً على الحسابات الأمريكية والإسرائيلية، مما جعل من حسم المعركة عسكرياً أمراً بعيد المنال.
يرى مراقبون أن ترامب، الذي كان يطمح للتحكم في توقيت نهاية الحرب كما بدأها، وجد نفسه أمام واقع مغاير تماماً. فقد توحدت المكونات الإيرانية من حرس ثوري وجيش وباسيج خلف القيادة الجديدة، مدعومة بمسيرات شعبية مليونية، مما أفقد واشنطن القدرة على فرض شروط الاستسلام أو إنهاء الصراع وفق رؤيتها الخاصة.
كشفت مفاوضات إسلام آباد الأخيرة عن حجم المأزق الأمريكي، حيث اضطر ترامب لسحب وفده بعد التأكد من تغير معادلة القوة على الأرض. هذا الانسحاب جاء نتيجة إدراك الإدارة الأمريكية أن النتائج التي توخاها قرار شن الحرب في الثامن والعشرين من فبراير الماضي لم تتحقق، بل أدت إلى نتائج عكسية تماماً.
يعيش البيت الأبيض حالياً حالة من التردد بين خيار التصعيد الشامل لتدمير البنى التحتية الإيرانية، وبين الرغبة في تجنب هزيمة سياسية مدوية. هذا التخبط يظهر في التهديدات المستمرة بضرب محطات الطاقة والجسور والمستشفيات، يقابلها حرص على إبقاء أبواب الوساطة الباكستانية مواربة للحفاظ على ما تبقى من هيبة عسكرية.
لقد قرر ترامب أن يكون صاحب القرار ببدء الحرب ونهايتها، ولكنه ووجِه بفشل إسقاط النظام الذي توحد خلفه الشعب الإيراني.
تشير مصادر تحليلية إلى أن القوة العسكرية الأمريكية، رغم قدرتها التدميرية الهائلة، باتت تفتقر إلى الجدوى السياسية في هذه المرحلة. فالتلويح باحتلال مضيق هرمز أو حصار الموانئ الإيرانية لم يعد كافياً لانتزاع مكاسب دبلوماسية، بل أصبح وسيلة للهروب من مأزق الجمود الميداني الذي يحيق بالقوات المهاجمة.
باتت خيارات ترامب محصورة في دائرة ضيقة، حيث يحمل كل مسار محتمل خسائر سياسية أو اقتصادية فادحة دون ضمانات للربح. وفي ظل هذا الانسداد، تجد واشنطن نفسها تقترب تدريجياً من القبول بالشروط التي تضعها طهران لوقف إطلاق النار، وهو ما يمثل تراجعاً كبيراً عن سقف المطالب الأمريكية الأولية.
يزيد من تعقيد الموقف الأمريكي تفاقم الأزمات الداخلية في الولايات المتحدة واهتزاز الاقتصاد العالمي نتيجة استمرار الحرب. كما أن الضغوط المتزايدة على اللوبيات الداعمة لإسرائيل بدأت تؤثر بشكل ملموس على سمعة الإدارة الأمريكية ونفوذها في المحافل الدولية، خاصة مع استمرار المجازر والدمار.
على الجانب الآخر، يواجه بنيامين نتنياهو تحديات وجودية في ظل الإخفاقات العسكرية المتتالية على الجبهة اللبنانية. هذه الإخفاقات، مضافاً إليها المقاومة الشرسة في قطاع غزة، جعلت من الحليف الإسرائيلي عبئاً إضافياً على الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، بدلاً من أن يكون شريكاً في تحقيق النصر السريع.
إن التحول في موازين القوى الإقليمية أثبت أن القوة التدميرية وحدها لا تصنع واقعاً سياسياً مستداماً. فإيران، رغم الجراح العميقة وفقدان رموزها التاريخية، أثبتت أن مؤسساتها قادرة على العمل تحت أقسى الظروف، مما جعل من رهان ترامب على الانهيار السريع رهاناً خاسراً بكل المقاييس.
تظل الأيام القادمة حبلى بالاحتمالات، حيث يسعى ترامب لتأمين مخرج يحفظ وجهه أمام الناخب الأمريكي والعالم. ومع ذلك، فإن الثمن الذي تطالب به طهران وحلفاؤها مقابل وقف الحرب يبدو باهظاً، ويتطلب تنازلات أمريكية قد تغير وجه التوازنات في الشرق الأوسط لعقود قادمة.
في نهاية المطاف، تظهر هذه الحرب أن سياسة الضغوط القصوى والعمل العسكري المباشر قد وصلت إلى طريق مسدود. فالمقاومة التي أبدتها الشعوب والأنظمة المستهدفة أعادت صياغة قواعد الاشتباك، وفرضت على القوى العظمى إعادة النظر في أدوات نفوذها وتأثيرها في منطقة لا تقبل الإملاءات القسرية.





שתף את דעתך
مأزق ترامب في المواجهة الإيرانية: حسابات الحرب والسياسة بعد شهرين من التصعيد