تصاعدت حدة النقاشات في الأوساط السياسية والحقوقية المصرية تزامناً مع إعلان الحكومة عن قرب إحالة مشروعات قوانين الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين إلى مجلس النواب. ورغم الوعود الرسمية بصدور القوانين تباعاً، إلا أن حالة من القلق تسود الشارع نتيجة ما يوصف بـ 'تعتيم' على البنود النهائية للتشريعات المرتقبة.
وحذر تكتل يضم أحزاباً ومنظمات حقوقية وشخصيات عامة من إبقاء هذه القوانين 'حبيسة الأدراج' في وزارة العدل، معتبرين أن التعامل مع ملفات الأسرة كأسرار يفتح الباب للتكهنات ويؤجج الاستقطاب المجتمعي. وطالب التكتل بضرورة طرح المسودات للحوار المجتمعي لضمان رصانة التشريع واستيعابه للتحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.
ومن أبرز النقاط التي أثارت جدلاً واسعاً، مقترح 'رخصة الزواج' الذي طرحته برلمانيات وقانونيات كشرط أساسي لتوثيق عقد القران. ويهدف هذا المقترح إلى إخضاع المتقدمين للزواج لاختبارات طبية ونفسية دقيقة لتقييم أهليتهم لإدارة الحياة الأسرية، في محاولة للحد من معدلات الطلاق المرتفعة في البلاد.
في سياق متصل، طالبت قيادات نسائية وحقوقية بإلغاء بند 'بيت الطاعة' بشكل نهائي من القانون المصري، معتبرين أنه ينتقص من كرامة المرأة ولا يستند إلى نصوص شرعية صريحة. وأكدت مصادر حقوقية أن الإجبار على الإقامة في مسكن لا ترغب فيه الزوجة يؤدي إلى تفاقم النزاعات ولا يحقق الاستقرار الأسري المنشود.
وعلى صعيد الحضانة، برز مشروع قانون جديد تقدمت به نائبة عن تنسيقية شباب الأحزاب، يقترح خفض سن الحضانة إلى 9 سنوات بدلاً من 15 عاماً المعمول بها حالياً. ويسعى المقترح إلى إعادة ترتيب الأب ليكون في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في حال سقوط الحضانة عنها أو وفاتها، وهو ما يلقى معارضة من جمعيات نسوية.
كما تضمن المشروع المقترح تنظيم عملية 'الاستضافة' واصطحاب الأطفال في حالات الانفصال، بحيث يتم تحديد ساعات وأيام محددة للطرف غير الحاضن. ويهدف هذا التعديل إلى ضمان حق الطفل في رؤية والديه وأجداده بشكل منتظم، مع وضع ضوابط تمنع استغلال هذا الحق في النزاعات الكيدية بين الطليقين.
ودعت المنظمات الموقعة على بيان الحوار المجتمعي إلى ضرورة إقرار 'الولاية المتساوية' بين الأب والأم في رعاية الأبناء، سواء أثناء العلاقة الزوجية أو بعدها. واعتبرت أن تحقيق المصلحة الفضلى للطفل تتطلب توازناً في الحقوق والواجبات بين الطرفين دون تمييز قانوني يخل بميزان القوى داخل الأسرة.
العلاقة الزوجية يجب أن تُبنى على المودة والرحمة والرضا المتبادل، وليس على الإجبار أو الإكراه عبر نصوص قانونية تجاوزها الزمن.
واقترح التكتل الحقوقي تخصيص جزء من الموازنة العامة لصندوق 'حماية الأسرة' لضمان توفير الحد الأدنى من الدخل في حالات إعسار الزوج أو الزوجة. وشددوا على ضرورة أن تتحمل الدولة مسؤولية التحري عن الدخل الحقيقي ومصادر الثروة لضمان تقدير عادل للنفقات وسرعة تنفيذ الأحكام القضائية.
وفيما يخص الإجراءات القضائية، طالبت القوى السياسية بضم جميع القضايا المرفوعة من طرفي العلاقة الزوجية في ملف واحد جامع أمام محكمة واحدة. ويرى مراقبون أن هذا الإجراء سيساهم في تسريع وتيرة التقاضي ومنع تشتت الأسر بين المحاكم المختلفة لسنوات طويلة دون حسم.
من جانبها، بدأت لجنة التضامن الاجتماعي بمجلس النواب خطوات فعلية لعقد جلسات حوار مجتمعي، حيث وجهت الدعوة لأربعة وزراء لحضور نقاشات موسعة حول القانون. وتشمل الدعوة وزراء العدل والثقافة والشباب والتعليم، لضمان صياغة قانون متكامل يراعي الأبعاد القانونية والتربوية والاجتماعية للأسرة المصرية.
وتواجه التعديلات المقترحة انتقادات من تيارات محافظة ترى في بعض البنود، مثل إلغاء بيت الطاعة أو تغيير ترتيب الحضانة، مخالفة للأعراف المستقرة. وفي المقابل، يرى المدافعون عن التعديلات أنها ضرورة ملحة لمواكبة التغيرات العميقة التي طرأت على المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة.
ويشير خبراء قانونيون إلى أن المشرع المصري يسعى من خلال هذه التعديلات إلى إيجاد صيغة توازن بين الشريعة الإسلامية وبين الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. وتظل قضية 'النشوز' والآثار المترتبة عليها واحدة من أكثر الملفات تعقيداً التي يحاول القانون الجديد معالجتها بشكل يحفظ كرامة الطرفين.
وتترقب الأوساط الشعبية صدور المسودة النهائية للقانون، خاصة مع تزايد المشكلات المرتبطة بالنفقة والرؤية والطلاق الشفهي. وتعتبر الحكومة أن القانون الجديد سيكون بمثابة 'ثورة تشريعية' تهدف إلى حماية الأطفال باعتبارهم الطرف الأضعف في النزاعات الأسرية التي تعج بها المحاكم.
ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام البرلمان هو التوفيق بين المطالب الحقوقية المتصاعدة وبين التحفظات الاجتماعية والدينية، لضمان خروج قانون يحظى بقبول مجتمعي واسع. ومن المتوقع أن تشهد الجلسات البرلمانية المقبلة نقاشات ساخنة حول كل مادة من مواد القانون نظراً لمساسها المباشر بحياة ملايين المواطنين.





שתף את דעתך
جدل في مصر حول تعديلات قانون الأحوال الشخصية: مقترحات لـ 'رخصة زواج' وإلغاء 'بيت الطاعة'