أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة بشأن الاستيلاء على النفط الإيراني موجة من الجدل، حيث اعتبر أن هذه الموارد يجب أن تدر أموالاً طائلة للخزينة الأمريكية. وهدد ترامب بتدمير البنية التحتية النفطية في حال تعذر السيطرة عليها، في محاكاة لسيناريو الضغوط الممارسة على فنزويلا. وقد ردت طهران بحزم مؤكدة أن الشعب الإيراني سيقف ضد أي محاولات لنهب ثرواته الوطنية.
يرى مراقبون أن خطابية ترامب ليست ابتكاراً جديداً، بل هي تعبير فج عن سياسة أمريكية متجذرة ترفض منح السيادة الاقتصادية للدول المتحررة من الاستعمار. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، سعت واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون للحفاظ على الهياكل الاقتصادية الاستعمارية رغم منح الاستقلال السياسي الشكلي. وهذا ما أدركه مبكراً قادة التحرر الوطني مثل الغاني كوامي نكروما الذي حذر من غياب الاستقلال الحقيقي.
شكل مؤتمر باندونغ عام 1955 أول تحدٍ جماعي كبير من دول آسيا وأفريقيا ضد الهيمنة الغربية والإصرار على النهب الاقتصادي. وطالبت هذه الدول بإدراج حق تقرير المصير الاقتصادي ضمن مواثيق الأمم المتحدة، وهو ما واجهته الولايات المتحدة بمعارضة شرسة. وقد لعبت وفود عربية من سوريا والعراق والسعودية دوراً محورياً في الدفع باتجاه ترسيخ هذا الحق كجزء أصيل من حقوق الإنسان.
تاريخياً، لم تتردد واشنطن في رعاية الانقلابات العسكرية للإطاحة بالقادة الذين تمسكوا بالسيادة على مواردهم الطبيعية. ومن أبرز هذه العمليات الإطاحة بمحمد مصدق في إيران عام 1953 بعد تأميمه للنفط، وخاكوبو أربينس في غواتيمالا عام 1954. كما استهدفت القوى الإمبريالية جمال عبد الناصر في مصر عقب تأميم قناة السويس عبر العدوان الثلاثي عام 1956.
في أمريكا اللاتينية، كان الانقلاب على سلفادور أليندي في تشيلي عام 1973 نموذجاً صارخاً للتدخل الأمريكي لحماية المصالح التجارية. وبرر هنري كيسنجر ذلك التدخل بعبارته الشهيرة التي رفض فيها وقوف واشنطن مكتوفة الأيدي أمام خيارات الشعوب التي وصفها بـ'المتهورة'. وتكشف هذه الحوادث أن الصراع كان دائماً يتمحور حول من يملك الحق في التصرف بالثروات الوطنية.
بحلول عام 1962، نجحت دول العالم الثالث في انتزاع القرار الأممي رقم 1803 الذي يقر بالسيادة الدائمة على الموارد الطبيعية. ومع ذلك، استمرت الولايات المتحدة في استخدام أدواتها المالية والعسكرية لتقويض هذا المبدأ على أرض الواقع. وظلت المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد والبنك الدولي تعمل كأدوات لفرض السياسات النيوليبرالية التي تخدم رأس المال العالمي.
تعد تجربة زيمبابوي نموذجاً فريداً في مواجهة الاستعمار الاستيطاني، حيث سعى روبرت موغابي لاستعادة الأراضي التي استولى عليها المستوطنون البيض. وقد واجهت بلاده عقوبات غربية قاسية وحملات شيطنة إعلامية بمجرد المساس بامتيازات الأقلية البيضاء. ورغم الضغوط، تمت إعادة توزيع 80% من الأراضي الزراعية، مما أدى إلى تدهور العلاقات مع المملكة المتحدة بشكل متسارع.
إن نهب الولايات المتحدة لموارد العالم الثالث ليس تطوراً جديداً، بل هو استمرار للسياسات الإمبريالية منذ الحرب العالمية الثانية.
في جنوب أفريقيا، كان ثمن إنهاء نظام الفصل العنصري السياسي هو الإبقاء على 'الفصل العنصري الاقتصادي'. فقد ضمنت القوى الإمبريالية عدم تأميم ثروات البيض وإعادة توزيعها على أصحابها الشرعيين من الأفارقة. وهكذا تحول المؤتمر الوطني الأفريقي إلى تبني السياسات النيوليبرالية التي حافظت على مصالح الشركات الكبرى ورؤوس الأموال الدولية.
تشير المقارنة بين الحالتين الإيرانية والفنزويلية إلى تباين في القدرة على المقاومة، حيث تمتلك طهران إمكانات عسكرية وبنية نظامية أكثر تماسكاً. فبينما نجحت واشنطن في تقويض شرعية الحكومة الفنزويلية عبر دعم معارضة موالية، فشلت محاولاتها المماثلة في إيران. وتلعب القوة العسكرية الإيرانية دوراً حاسماً في ردع الأطماع الأمريكية والإسرائيلية المباشرة.
إن السياسة الأمريكية تجاه فنزويلا وإيران اليوم تعكس استمرارية تاريخية لا ترتبط بهوية الرئيس القابع في البيت الأبيض. فسواء كان الحكم ديمقراطياً أو جمهورياً، تظل حماية مصالح الشركات الكبرى والسيطرة على منابع الطاقة أولوية قصوى. وما يفعله ترامب هو مجرد إزالة القناع الدبلوماسي عن ممارسات إمبريالية قديمة ومستمرة.
لقد استخدمت واشنطن 'حق الغزو' والاتفاقيات الدولية لشرعنة نهب موارد الشعوب منذ القرن التاسع عشر وحتى يومنا هذا. وفي حالات كثيرة، كان يتم ربط 'المعونات' الدولية بمدى التزام الدول النامية بفتح أسواقها ومواردها أمام الاستثمارات الأجنبية. وأي محاولة للخروج عن هذا المسار كانت تُجابه بالانقلابات أو العقوبات الاقتصادية الخانقة.
تؤكد الوقائع التاريخية أن 'النظام الاقتصادي الدولي الجديد' الذي طالبت به الدول النامية في السبعينيات ظل مجرد حبر على ورق. فقد نجحت القوى الغربية في إجهاض مقترحات تعزيز المساواة الاقتصادية ومعالجة المظالم التاريخية. وبدلاً من ذلك، تم تعزيز نظام العولمة الذي يكرس تبعية الجنوب للسياسات المالية التي تضعها واشنطن وبروكسل.
في الختام، يظهر أن نهب موارد العالم الثالث هو الركيزة الأساسية التي يقوم عليها النظام الإمبراطوري الأمريكي المعاصر. وتصريحات ترامب 'الفجة' ليست سوى صدى لسياسات كيسنجر وغيره من مهندسي الهيمنة الأمريكية عبر العقود الماضية. إن الصراع على السيادة الاقتصادية يظل هو الجوهر الحقيقي لكل النزاعات السياسية والعسكرية التي تشهدها المنطقة والعالم.





שתף את דעתך
نهب موارد 'العالم الثالث': هل هي سياسة ترامبية عابرة أم استراتيجية أمريكية متجذرة؟