تتجلى في المشهد الإقليمي الراهن ملامح صمود إيراني وُصف بالتاريخي، حيث استطاعت طهران الثبات في ميادين المفاوضات والحرب على حد سواء. هذا الثبات لا يُنظر إليه كفعل انتحاري، بل كتعقيب واعي من أمة تدرك ثقلها الجيوسياسي وتأثير موقفها على الاستقرار العالمي والمنطقة بأسرها.
وفي سياق متصل، برزت تصريحات لافتة لوزير الخارجية التركي تشير إلى أن الحرب الحالية تفتقر للشرعية، معتبراً إياها نتاج تدبير تيار صهيوني نجح في اختراق العقل السياسي الأمريكي. وحذر الوزير من أن إسرائيل، التي تعيش على خلق الأعداء، قد تضع تركيا في مرمى استهدافها القادم بعد الفراغ من الملف الإيراني.
ويرى مراقبون أن السياسة الأمريكية الحالية في الشرق الأوسط لا تخدم المصالح القومية للولايات المتحدة بالضرورة، بل تصب في مصلحة الكيان الصهيوني. هذا السلوك يوصف بأنه غير عقلاني، ويحدث فقط عندما يتم توجيه السياسة الخارجية من قبل قوى ضغط خارجية تمكنت من مفاصل القرار في واشنطن.
إن صدور مثل هذه المواقف عن دولة عضوة في حلف الناتو مثل تركيا، يعكس إدراكاً عميقاً لموازين القوى الدولية وكيفية المناورة حولها. فالمواجهة مع قوى كبرى تتطلب استعداداً شاملاً على المستويات الاستخباراتية والعسكرية والاقتصادية، وهو ما يفسر حذر القوى الإقليمية في تعاملها مع الأزمات المتلاحقة.
وعلى الرغم من حسابات القوة، تفرض بعض اللحظات التاريخية ضرورتها، كما حدث في 'طوفان الأقصى' الذي أعاد القضية الفلسطينية إلى الواجهة. هذا الحدث جاء ليعيد إحياء قضية كانت تواجه محاولات التغييب والنسيان، سواء من خلال الاتفاقات الإبراهيمية أو عبر مسارات سياسية لم تحقق تطلعات الشعب الفلسطيني.
لقد ساهم الصمود الأسطوري في قطاع غزة في تعزيز مشهد الصمود الإيراني أمام الضغوط الدولية، مما فتح آفاقاً جديدة لفهم الحقيقة الحضارية للمنطقة. ورغم الثمن الباهظ المدفوع من دماء وتضحيات، إلا أن الحقائق الوجودية للأمم لا تُقاس بالخسائر المادية بل بمدى عدالة القضية التي تدافع عنها.
الأمة الإيرانية، بخلفيتها التاريخية العريقة وعقيدتها الراسخة، أثبتت قدرة عالية على تحمل الألم والمواجهة، وهو ما أثار إعجاب خصومها قبل أصدقائها. هذا الصمود يترك آثاراً عميقة في الوعي العربي والإسلامي، متجاوزاً الخلافات المذهبية ليؤكد على وحدة المصير في مواجهة التحديات الخارجية.
إسرائيل ليست كياناً ينتج القوة من تلقاء نفسه، بل هناك عقلية تمكنت من اختراق النظام السياسي الأمريكي عبر الصهيونية.
وفي لبنان، قدمت المقاومة الإسلامية نموذجاً مفاجئاً في المواجهة الأخيرة، حيث أظهرت قدرة تنظيمية وعزماً كبيراً في الميدان. هذا الأداء العسكري والسياسي جعل من المقاومة مصدر فخر لكل من يدرك طبيعة الصراع الوجودي مع الاحتلال الصهيوني في المنطقة.
إن مسارعة الاحتلال نحو خيارات التفاوض مع الحكومة اللبنانية لم تكن رغبة في السلام، بل نتيجة عجز ميداني عن كسر شوكة المقاومة. ولولا هذا الصمود، لاستمرت آلة الحرب في تدميرها المسعور الذي استهدف المدنيين في قلب العاصمة بيروت دون رادع أخلاقي أو قانوني.
الموقف الأوروبي بدأ يشهد تحولاً ملحوظاً، حيث برزت أصوات من فرنسا وإسبانيا ترفع شعار 'ليست حربنا' في إشارة إلى النأي بالنفس عن الصراع. هذا التوجه يعكس وعياً أوروبياً بتفاهة الدوافع خلف هذه الحروب، ورفضاً للانسياق خلف الأجندات الصهيونية التي تدفع المنطقة نحو الهاوية.
يرى محللون أن الدول الأوروبية باتت تدرك الحالة المزرية التي وصلت إليها مراكز القرار في الولايات المتحدة نتيجة سيطرة جماعات الضغط. هذا الإدراك يدفع القوى الدولية للبحث عن مسارات مستقلة تحمي مصالحها بعيداً عن التبعية المطلقة للسياسات الأمريكية المنحازة بشكل أعمى.
الدرس الإيراني، كما يصفه المقال، كشف للعالم حقائق كانت مغيبة أو مشوهة بفعل الآلة الإعلامية الغربية الموجهة. هذا الكشف سيكون له تداعيات كبرى في المستقبل القريب، حيث سيعيد صياغة التحالفات بناءً على أسس الصمود والتضحية التي قدمتها شعوب المنطقة.
إن التضحيات التي قُدمت في غزة ولبنان وإيران ترسم ملامح فجر جديد للأمة، حيث يتم استعادة الكرامة والسيادة بعيداً عن الإملاءات الخارجية. هذه الروح القتالية والعقائدية هي الضمانة الوحيدة لمنع تصفية القضايا العادلة في دهاليز السياسة الدولية المظلمة.
ختاماً، يبقى الصمود هو الخيار الاستراتيجي الوحيد للأمم التي تسعى للحفاظ على وجودها في ظل غابة دولية لا تحترم إلا الأقوياء. ورحم الله كل من ضحى ورفع سقف المواجهة عالياً، مؤكداً أن الحقوق لا تُسترد إلا بالثبات والإصرار على انتزاع الحرية مهما غلا الثمن.





שתף את דעתך
الدرس الإيراني: تحولات الصمود في وجه الاختراق الصهيوني للقرار الأمريكي