شهدت الساحة الفكرية الأمريكية سجالاً متجدداً حول جدوى النموذج الليبرالي، خاصة بعد صدور كتاب فرانسيس فوكوياما 'الليبرالية ومنتقدوها الساخطون'. حاول فوكوياما في أطروحته الأخيرة الدفاع عن الليبرالية باعتبارها أفقاً إنسانياً لا غنى عنه، رغم الاعتراف بالتشوهات التي طالت تطبيقها العملي في العقود الأخيرة.
يرى فوكوياما أن الأزمات الراهنة تنبع من سوء التأويل والممارسة، وليس من جوهر الفكرة الليبرالية نفسها. وقد استند في دفاعه إلى مفهوم 'الثيموس' أو الرغبة في الاعتراف، معتبراً أن النظام الليبرالي هو الوحيد القادر على إشباع تطلعات الفرد وتحقيق كرامته الإنسانية بعيداً عن الاستبداد.
على النقيض من ذلك، تبرز الخصوصية الأمريكية في تعريف الليبرالية، حيث تتماهى مع التوجهات اليسارية التي تنادي بتدخل الدولة لتحقيق العدالة الاجتماعية. هذا المفهوم يصطدم تاريخياً مع الأطروحة المحافظة التي تقدس حرية الفرد المطلقة وترفض أي قيود حكومية على النشاط الاقتصادي والمبادرة الحرة.
قبل صعود الظاهرة الترامبية، كان النقاش السياسي في واشنطن يتأرجح بين قطبي العدالة الاجتماعية والحرية الاقتصادية. وقد سعت النخب الديمقراطية لتعزيز نفوذها عبر المؤسسات القضائية لحماية الأقليات، بينما ركز الجمهوريون على المؤسسات المنتخبة لضمان تدفق الرأسمال وتقليص دور الدولة.
مع وصول دونالد ترامب إلى السلطة، لم تتغير العناوين العريضة للمشروع المحافظ المتمثلة في خفض الضرائب ومواجهة العولمة. إلا أن المتغير الأبرز كان الخطاب الشعبوي الذي أحدث انقساماً مجتمعياً غير مسبوق، وربط الهوية الثقافية للرجل الأبيض بالسياسات الاقتصادية الحمائية.
غالباً ما تنظر النخب العربية إلى السياسة الأمريكية من زاوية الهيمنة الخارجية فقط، متجاهلة الديناميات الداخلية المعقدة. والحقيقة أن السياسة الخارجية، سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية، تهدف في النهاية إلى تأمين 'فائض قيمة' يخفف من حدة التوترات الاجتماعية داخل الولايات المتحدة.
تختلف الأدوات بين الحزبين؛ فبينما يفضل الديمقراطيون استخدام 'القوة الناعمة' وشعارات حقوق الإنسان لتأمين المصالح، يميل الجمهوريون في عهد ترامب إلى القوة الخشنة. وتتجلى هذه القوة في فرض الحصار الاقتصادي والضغوط الدبلوماسية المباشرة لتحقيق المكاسب القومية الأمريكية.
أطروحة صمويل هنتنغتون تبدو اليوم الأكثر تناغماً مع الواقع، حيث تحولت البوصلة الأمريكية نحو حروب حضارية وقيمية تتجاوز المصالح الاقتصادية التقليدية.
أثيرت تساؤلات جدية حول مدى خدمة الحروب الخارجية للمصالح الأمريكية العليا، خاصة فيما يتعلق بالملف الإيراني. وأشارت مصادر إعلامية رصينة إلى أن واشنطن قد تنجر إلى صراعات بضغط إسرائيلي مباشر، مما يضع 'فائض القيمة' الأمريكي في كفة والمصالح الإسرائيلية في كفة أخرى.
يبدو أن أطروحة فوكوياما حول 'نهاية التاريخ' قد فقدت قدرتها التفسيرية أمام الواقع المتغير. فقد اعترف فوكوياما نفسه في مراجعاته بأن صعود 'الليبرالية الجديدة' المتطرفة وسياسات الهوية قد شوه المبادئ الكلاسيكية التي بنى عليها نظريته المتفائلة.
في المقابل، تكتسب رؤية صمويل هنتنغتون حول 'صدام الحضارات' صموداً أكبر في تفسير مسارات السياسة الخارجية الأمريكية. هنتنغتون لم يهتم بالفروق الثقافية بقدر اهتمامه بتحديد 'العدو' القادم، موجهاً البوصلة نحو مواجهة الحضارة الإسلامية ثم الصين كأولويات استراتيجية.
لقد نجح هنتنغتون في إقناع صانع القرار الأمريكي بضرورة تغيير الأولويات وتبريد الجبهة مع روسيا مؤقتاً للتفرغ للصراع القيمي والثقافي. هذا التوجه هو ما مهد الطريق فعلياً لحروب أفغانستان والعراق، وصولاً إلى التوترات الراهنة في منطقة الشرق الأوسط.
يبرز عامل جديد وحاسم في المشهد الأمريكي المعاصر وهو تأثير 'الصهيونية الدينية' على مراكز القرار. هذا التأثير لم يعد يقتصر على السياسة الخارجية، بل امتد ليشمل الديناميات الداخلية عبر دعم النزعات العنصرية ومعاداة التعددية الثقافية داخل المجتمع الأمريكي.
تتجلى خطورة هذا التأثير في السياسات المتطرفة الموجهة ضد الناشطين الداعمين للحقوق الفلسطينية داخل الولايات المتحدة. إن التماهي بين اليمين الترامبي والصهيونية الدينية بات يهدد الأسس الديمقراطية التي قامت عليها أمريكا، ويقوض صورتها كنموذج ليبرالي عالمي.
في الختام، لا يمكن فهم التحولات الأمريكية بمعزل عن تداخل المصالح الاقتصادية مع الأيديولوجيات الدينية المتطرفة. إن ارتهان القرار الأمريكي لأجندات الصهيونية الدينية قد يؤدي في النهاية إلى نشوء نظام عالمي جديد ينهي حقبة الهيمنة الأمريكية المنفردة.





שתף את דעתך
من نهاية التاريخ إلى صدام الحضارات: كيف تآكلت الوعود الليبرالية في السياسة الأمريكية؟