تثير الحالة الذهنية والمسلكية للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تساؤلات عميقة تتجاوز حدود السياسة لتصل إلى أروقة الطب النفسي والقانون الدولي. يرى مراقبون أن مسار ترامب يتسم بـ'عجز البصيرة' والتخبط في اتخاذ القرارات، مما يجعله في نظر البعض غير مؤاخذ بمقاييس العقل الرشيد، رغم فداحة الجرائم المنسوبة إليه من إبادة وفساد.
تتجلى ملامح عدم الاستقرار في إدارة ترامب من خلال اعتماده المفرط على وسائل التواصل الاجتماعي لإعلان قرارات مصيرية وكارثية في ساعات متأخرة من الليل. هذا السلوك يعكس نمطاً صبيانياً في التعامل مع شؤون الدولة، حيث غالباً ما يناقض نفسه بين عشية وضحاها، متبعاً نهج 'كلام الليل يمحوه النهار'.
شهدت الفترة الماضية تصعيداً في لهجة ترامب تجاه القوى الدولية، حيث أعلن مراراً الانتصار على إيران مهدداً بمحو حضارتها من الوجود في تصريحات وُصفت بالهوجاء. كما لم يسلم الرموز الدينيون من هجومه، حيث وصف بابا الفاتيكان بالضعف في مواجهة الجريمة، مما يعكس حدة في الخطاب تفتقر للدبلوماسية.
في الداخل الأمريكي، لم تكن المعارضة الديمقراطية وحدها من تحركت لعزله، بل وجد هذا المسعى دعماً من جنرالات متقاعدين في الجيش الأمريكي. وقد أقدم ترامب على إقالة 11 جنرالاً رفيع المستوى لمجرد انتقادهم لطريقة إدارته للملفات العسكرية، مما عمق الفجوة بينه وبين المؤسسة العسكرية.
حتى داخل معسكره اليميني، بدأت أصوات كانت تعتبره 'المسيح المخلص' تنقلب ضده وتطالب بإزاحته من السلطة بأسرع وقت ممكن. مارجوري تيلر غرين، التي كانت من أشد مؤيديه، باتت تصفه في الأسابيع الأخيرة بأنه 'مجنون رسمياً'، وهو تحول دراماتيكي في الولاءات السياسية.
من جهتها، وصفت الناشطة اليمينية كانديس أوينز ترامب بأنه شخص 'مخبول ومجبول على إبادة البشر'، وذلك عبر منصاتها التي يتابعها الملايين. هذه الانتقادات الحادة من قلب التيار المحافظ تشير إلى تآكل الثقة في قدرة ترامب على قيادة البلاد بشكل متزن.
أكد تاي كوب، كبير المحامين السابق في البيت الأبيض أن تدهور الحالة العقلية لترامب لم يعد بحاجة إلى أدلة إضافية لإثباته. وفي سياق متصل، استخدمت سيتفاني غريشام، السكرتيرة الصحفية السابقة، لغة مهذبة للإشارة إلى أن الرئيس السابق 'ليس على ما يرام' من الناحية الذهنية.
النرجسية الخبيثة هي أشد أنواع الاضطرابات الشخصية سمِّية، لأنها تمزج بين النرجسية المفرطة، والسادية، وجنون الارتياب.
قبل عقد من الزمان، حذر فريق من علماء الطب النفسي في كتاب 'حالة ترامب الخطرة' من معاناته من 'نرجسية خبيثة'. هذا الاضطراب يجمع بين الشعور المبالغ فيه بالأهمية، والحاجة الماسة للإعجاب، مع افتقار تام للتعاطف مع الآخرين أو الشعور بآلامهم.
تتسم النرجسية الخبيثة بكونها مزيجاً ساماً من السادية والسلوك المعادي للمجتمع وجنون الارتياب، مما يدفع المصاب بها لتدمير المحيطين به. ويبدو أن هذا التشخيص الطبي بدأ يجد صدى لدى الرأي العام الأمريكي، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن 63% من المواطنين يشككون في أهليته العقلية.
المثير للدهشة أن ترامب نفسه لا يجد حرجاً في الظهور بمظهر 'المجنون' إذا كان ذلك يخدم أهدافه التفاوضية، كما كشفت نيكي هالي. فقد طلب منها إعطاء انطباع لخصومه الدوليين بأنه غير متزن، وهو تكتيك يراه النائب العام السابق وليام بار جزءاً من 'الكمية الصحيحة من الجنون'.
يعاني خطاب ترامب من انفصال واضح عن الواقع، حيث يكرر أكاذيب حول أصول عائلته، مدعياً أن والده ولد في ألمانيا رغم ثبوت ولادته في نيويورك. كما يظهر تشتتاً غريباً في أحاديثه الرسمية، حيث ينتقل من الحديث عن الحروب إلى مناقشة أقمشة الستائر أو أنواع الأفاعي في دول بعيدة.
بلغ التجاوز ذروته عندما نشر ترامب صورة لنفسه في هيئة 'المسيح' وهو يشفي المرضى، محاطاً بطائرات مقاتلة وملائكة عسكريين. هذا التصرف أثار غضب الملايين من المسيحيين الذين اعتبروه تجديفاً، مما اضطره لسحب الصورة لاحقاً تحت ضغط الانتقادات الواسعة.
إن محاولة ترامب تبرير الصورة بأنه قصد دور 'الطبيب' لم تكن مقنعة، خاصة وأن الرموز المستخدمة كانت ذات دلالات دينية عميقة لا تخطئها العين. هذا التخبط يعزز فرضية فقدان البوصلة الأخلاقية والسياسية في آن واحد، مما يجعله شخصية استثنائية في تاريخ الرئاسة الأمريكية.
في نهاية المطاف، يبقى الجدل حول أهلية ترامب قائماً بين من يراه عبقرياً يتلاعب بالخصوم ومن يراه مريضاً يحتاج للعلاج. لكن الحقائق الميدانية والشهادات من أقرب المقربين إليه ترسم صورة لرجل يقود أقوى دولة في العالم بعقلية مضطربة تفتقر لأدنى معايير الرشد السياسي.





שתף את דעתך
ترامب ومقاييس الأهلية: قراءة في السلوك السياسي والاضطرابات الشخصية