في القراءات التاريخية للنزاعات السياسية والعسكرية، تبرز ظاهرة لجوء القوى العاجزة عن تحقيق غاياتها إلى إعادة تعريف الواقع بدلاً من الاعتراف بالهزيمة. هذا النمط يتجلى بوضوح في السياسات التي تتبنى صناعة صراعات جديدة لإبقاء صورة القوة قائمة، حتى وإن كان ذلك على أنقاض الحقيقة والواقع الميداني.
تبدو المقاربة الإسرائيلية منذ عقود قائمة على استبدال الفشل في تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى بتوسيع رقعة العمليات العسكرية. إن هذا التكثيف في ساحات الاشتباك المتجددة يهدف بالأساس إلى إخفاء العجز عن فرض نتائج نهائية ومستقرة على الأرض، رغم امتلاك ترسانة تكنولوجية وعسكرية متفوقة.
لقد أثبتت التجربة الطويلة أن القوة العسكرية، مهما بلغت سطوتها، لا تملك القدرة وحدها على حسم معارك تتعلق بالهوية والوجود والحق التاريخي. فالحروب المتكررة وسياسات العقاب الجماعي لم تنتج واقعاً سياسياً يضمن الأمن الدائم، بل كشفت عن عمق الأزمة البنيوية في منطق الاحتلال.
يقف القانون الدولي اليوم في حالة من العجز المشهود أمام تكرار استخدام القوة دون رادع حقيقي أو محاسبة دولية. المبادئ التي تأسست لحماية المدنيين ومنع الإبادة تواجه اختباراً قاسياً، حيث تُعلق فعاليتها أمام اعتبارات النفوذ السياسي وموازين القوى التي تفرضها الدول الكبرى.
يبرز الدعم الأمريكي المستمر للاحتلال كأحد أهم مظاهر الاختلال في النظام العالمي الحديث. فواشنطن، التي تقدم نفسها كراعية للقانون الدولي، تنحاز في كثير من الأحيان لمقاربة القوة، مما يحول المؤسسات الدولية إلى كيانات محدودة التأثير تكتفي بإصدار بيانات الإدانة الورقية.
إن الاعتماد المفرط على التفوق العسكري لا يؤدي إلى الاستقرار المنشود، بل يفتح الأبواب أمام دورات متنفذة ومتكررة من العنف. التاريخ يعلمنا أن إرادة الشعوب غالباً ما تكون أكثر صلابة من الحسابات العسكرية، لأنها تنبع من شعور عميق بالانتماء والحق الأصيل في الأرض.
في المشهد الفلسطيني، تبرز دلالات إنسانية وسياسية بالغة الأهمية تتجاوز حدود الجغرافيا. فرغم عقود من التهجير والحصار، بقي الفلسطينيون حاضرين في مدنهم ومخيماتهم، يعيدون ترميم ما هدمته الحرب، في رسالة واضحة بأن الشعوب لا تُقاس بما تملكه من سلاح بل بقدرتها على الصمود.
إن القوة مهما تعاظمت لا تستطيع أن تمنح الشرعية، والعدالة المؤجلة تبقى قادرة على العودة ولو بعد حين.
يتكرر هذا المشهد في لبنان بصيغ مختلفة، حيث يرفض المجتمع اللبناني الخضوع الكامل لمنطق العدوان رغم الأزمات الداخلية العميقة. الاعتداءات المتكررة لم تنجح في فرض حالة استسلام جماعي، بل عززت القناعة بأن الكرامة الوطنية لا يمكن مقايضتها بالخوف أو الإذعان للتهديدات العسكرية.
على صعيد إقليمي أوسع، تكشف المواجهة المتصاعدة بين المحور الأمريكي الإسرائيلي وإيران عن تعقيدات تستنزف الجميع دون تحقيق حسم نهائي. هذا الصراع المفتوح يؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة، ويدفع العالم ثمن غياب الحلول السياسية العادلة والجذرية.
إن أخطر تداعيات استمرار هذه الحروب هو التآكل التدريجي لفكرة العدالة الدولية ومصداقية المنظومة العالمية. عندما يشعر العالم بأن القوانين تُطبق بانتقائية بحسب هوية الضحية أو الجاني، فإن الثقة في التعايش العالمي تبدأ بالانهيار، مما يهدد الاستقرار في مناطق بعيدة عن الصراع.
السؤال الجوهري الذي يطرحه الواقع الراهن ليس عن حجم القوة العسكرية، بل عن القدرة على بناء سلام مستدام وعادل. الاحتلال قد يفرض واقعاً مؤقتاً بقوة السلاح، لكنه يعجز تماماً عن محو الذاكرة الجمعية للشعوب أو إنهاء فكرة المقاومة المتجذرة في الوجدان.
في البعد القيمي، يبرز مفهوم الشهادة في الوعي الديني كعنصر محوري يغير النظرة التقليدية للخسائر البشرية. هذا المفهوم يعيد تعريف العلاقة بين الحياة والموت، حيث يُنظر إلى التضحية كجزء من سردية صمود طويلة ترى في العدالة الإلهية تعويضاً عن غياب العدالة الأرضية.
إن استخدام القوة المفرطة لا يحقق الحسم السياسي، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية تماماً عبر تعميق منطق المقاومة وإعادة إنتاج أسبابها. الموت في سبيل الكرامة يصبح في هذا السياق وسيلة لرفض الظلم، مما يجعل الحسابات العسكرية التقليدية غير قادرة على فهم دوافع الصمود.
في المحصلة، يبقى المسار الدموي مفتوحاً على تساؤلات حول إمكانية تحويله إلى أفق سياسي يعالج جذور الصراع. إن الاستقرار الحقيقي لا يمكن أن يكون نتيجة للقوة، بل يجب أن يكون مؤسساً على العدالة التي تعيد الحقوق لأصحابها وتنهي دورات العنف المتكررة.





שתף את דעתך
الحرب كستار للفشل: قراءة في استراتيجية الهروب من الهزيمة السياسية