في مشهدٍ يعكس تصعيدًا خطيرًا واستفزازًا فجًّا لمشاعر المسلمين، أقدمت قوات الاحتلال على إضاءة الحرم الإبراهيمي الشريف بنجمة داوود، ورفعت الأعلام الإسرائيلية على سطحه وجدرانه، في خطوة لا يمكن قراءتها إلا بوصفها اعتداءً سافرًا على قدسية المكان ومحاولة لفرض واقع جديد بقوة الأمر الواقع.
هذا السلوك لا يقف عند حدود الانتهاك المادي لمعْلمٍ ديني وتاريخي، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الهوية الروحية والثقافية لهذا المكان المبارك. فالحرم الإبراهيمي ليس مجرد بناء أثري، بل هو رمز ديني عميق الجذور في وجدان المسلمين، ووقف إسلامي خالص لا يقبل القسمة أو التأويل.
إن رفع الرموز الإسرائيلية وإضاءة المكان بشعارات ذات دلالات سياسية ودينية يضعنا أمام سياسة واضحة المعالم، تسعى إلى فرض سردية بديلة، تتجاهل الحقائق التاريخية وتضرب بعرض الحائط القوانين الدولية التي تجرّم المساس بالمقدسات الدينية تحت الاحتلال.
ولعل الأخطر في هذا المشهد، ليس الفعل بحد ذاته فقط، بل ما يحمله من رسائل سياسية مقلقة، مفادها أن الاحتلال ماضٍ في إعادة رسم معالم السيادة على الأرض، حتى لو كان الثمن إشعال فتيل الحرب الدينية في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة الاستقرار.
إن ما جرى في الحرم الإبراهيمي يستدعي موقفًا جادًا، ليس فقط من الجهات الرسمية، بل من العالم الإسلامي والمجتمع الدولي، لأن الصمت أمام هذه الانتهاكات لا يعني سوى منح الضوء الأخضر لمزيد من التغوّل على المقدسات، وتحويلها إلى ساحات صراع بدل أن تبقى رموزًا للسلام والعبادة.
وفي خضم الحروب المتلاحقة والصراعات المتشابكة في الضفة الغربية المحتلة وغزة المحاصرة إلى لبنان، ومن توترٍ يتصاعد مع إيران، يتكاثف ضجيج الحرب حتى يكاد يحجب الرؤية عن العقل العربي، ويثقل الروح التي أنهكتها الأزمات. وبين هذا الركام من الأحداث، يطفو سؤال مؤلم ومحرج: أين جامعة الدول العربية؟
لقد غابت جامعة الدول العربية، أو لعلها غُيّبت، في لحظةٍ كانت أحوج ما تكون فيها إلى الحضور. غيابٌ لا يُقاس بالصمت فقط، بل بفراغ الموقف، وبالعجز عن صياغة رؤية موحدة، أو حتى التعبير عن إرادة جماعية قادرة على التأثير.
وكما يقول المثل العربي: "إذا غاب القط، لعبت الفئران"، في إشارة إلى أن غياب الدور العربي الفاعل أفسح المجال لقوى أخرى لتعبث بمصير المنطقة، وتعيد رسم خرائطها وفق مصالحها، دون اعتبارٍ لآلام شعوبها أو تطلعاتها.
ليست هذه الكلمات هجوماً بقدر ما هي عتابٌ موجوع، عتابٌ لكيانٍ كان يُفترض أن يكون مظلةً جامعة، وصوتاً موحداً، وعمقاً استراتيجياً يحمي الأمة من التشتت والانهيار.
في ظل المشاريع التي تريد الهيمنة على المنطقة المشروع الإسرائيلي "من النيل الى الفرات " والمشروع التركي والمشروع الإيراني ، ألا يجوز ان نسأل اين المشروع العربي الجامع؟ ومن يقوده وما مضمونه ؟ فهل تعود جامعة الدول العربية إلى دورها الطبيعي؟ وهل تستعيد مكانتها في وجدان الشعوب العربية، لتكون مصدر طمأنينة لا عنوان خيبة؟
وهل يمكن أن يتحول هذا الشرق الأوسط من ساحة صراعٍ دائم إلى فضاء استقرارٍ وتنمية، تُطوى فيه صفحة الحروب، وتُمحى عنه وصمة "العالم الثالث"؟
إن الإجابة لا تكمن في البيانات ولا في القمم الموسمية، بل في إرادة سياسية حقيقية، تُعيد تعريف العمل العربي المشترك، وتمنح الشعوب ما تستحقه من كرامةٍ وأمان.
حتى ذلك الحين، سيبقى السؤال معلقاً، يثقل الضمير العربي:أين جامعة الدول العربية؟





שתף את דעתך
الجامعة والحرم الإبراهيمي… حين تُستفزّ القداسة