دخل ملف الأملاك الوقفية في سوريا مرحلة جديدة من التصعيد القانوني والشعبي، مع إعلان وزارة الأوقاف عن خطوات لاستعادة آلاف العقارات بالاستعانة بالأرشيف العثماني. وتأتي هذه التحركات في ظل جدل واسع حول مستقبل إدارة هذه الأصول التي تعرضت لانتهاكات جسيمة خلال العقود الماضية، مما دفع بفعاليات محلية في حلب للدعوة إلى اعتصامات في الساحات العامة رفضاً لآليات الإدارة الحالية.
وكشفت مصادر مسؤولة في الوزارة أن التقديرات الأولية تشير إلى وجود نحو 37 ألف عقار وقفي موزعة على المحافظات السورية، حيث تتصدر حلب القائمة بنحو 19 ألف عقار، تليها دمشق بـ 8500 عقار. وأوضحت المصادر أن هذه الأملاك تحولت في عهد النظام السابق إلى منظومة تمويل غير رسمية عبر عقود استثمار طويلة الأمد بأسعار زهيدة لصالح رجال أعمال مقربين من السلطة.
وفي مدينة حمص، تفجر نزاع حاد بين مديرية الأوقاف وعائلة السباعي العريقة حول ملكية 'منزول' تاريخي تدعي العائلة أنه وقف ذري وهبته نائلة السباعي، الملقبة بـ 'رابعة العدوية' وزوجة القائد نور الدين زنكي، قبل أكثر من 800 عام. وترفض العائلة قرار تحويل المضافة إلى مصلى ومكتبة عامة، مؤكدة أن العقار يمثل إرثاً اجتماعياً وثقافياً خاصاً لا يجوز المساس بخصوصيته التاريخية.
من جانبها، شددت مديرية أوقاف حمص على أن العقار مسجل رسمياً كوقف عام بموجب وثائق تعود لعام 1933، وأن إشغال العائلة له طوال العقود الماضية يفتقر للصفة القانونية. وأشارت المديرية إلى أنها حاولت الوصول لتسوية تضمن حقوق الوقف مع منح العائلة دوراً في إدارة المصلى والمكتبة، إلا أن آل السباعي اعتبروا الإجراء جائراً وناشدوا الجهات العليا للتدخل.
وعلى صعيد التوثيق التاريخي، أوضح معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار أن اللجوء للأرشيف العثماني يهدف حصراً إلى حصر الملكيات وتدقيقها فنياً وقانونياً، نافياً الشائعات التي تحدثت عن نية منح عقارات لتركيا. وأكد بيرقدار أن الوقف في سوريا ملكية وطنية خالصة، وأن الهدف هو تصحيح عمليات التزوير التي طالت 'الطابو' واستعادة الأصول التي تم الاستيلاء عليها بقوة النفوذ.
وفي سياق الإصلاحات الإدارية، أعلنت الوزارة عن توجه لتأسيس صندوق مستقل لإدارة الاستثمارات الوقفية بعيداً عن خزينة الدولة، لضمان الشفافية والحوكمة. ويهدف هذا الصندوق إلى تعظيم العائدات المالية للأوقاف وصرفها في وجوهها الشرعية والاجتماعية، بعيداً عن التدخلات السياسية التي شابت هذا الملف لسنوات طويلة.
من جهة أخرى، يرى خبراء قانونيون أن العودة للأرشيف العثماني قد تواجه تعقيدات قانونية كبيرة، خاصة في ظل وجود ملكيات مسجلة ومستقرة في السجلات العقارية الحديثة. وأشار المحامي عارف الشعال في تصريحات خاصة إلى أن الملكية العقارية ثابتة قانوناً، وأن استعادة عقارات ضخمة مثل أرض معرض دمشق الدولي تثير تساؤلات حول آليات الاستثمار والجهة المخولة بإدارة هذه المساحات الشاسعة.
الاستعانة بالأرشيف العثماني تقتصر على هدف فني وقانوني لمعرفة الأملاك المسجلة تاريخياً كأوقاف وتوثيق الانتهاكات التي طالتها.
وتطرق الشعال إلى قضية 'مجمع يلبغا' في دمشق، الذي ظل لغزاً إدارياً ومالياً لنحو نصف قرن بسبب الفساد، متسائلاً عن كيفية تصرف الوزارة بواردات هذه المجمعات الضخمة. واعتبر أن المشكلة الجوهرية تكمن في غياب نصوص دستورية واضحة تحمي الأوقاف منذ حقبة الخمسينيات، مما جعلها عرضة للتغول من قبل السلطات التنفيذية المتعاقبة.
وفي مدينة حلب، تتصاعد الدعوات لتنفيذ وقفة احتجاجية تحت شعار 'قانون وكرامة' في ساحة سعد الله الجابري، أسوة باحتجاجات مماثلة شهدتها العاصمة دمشق. ويطالب المحتجون بضرورة إشراك المجتمع المحلي والوجهاء في إدارة الأوقاف، وضمان عدم تضرر المستأجرين 'حسني النية' الذين قد يواجهون قرارات بإخلاء عقاراتهم أو رفع إيجاراتها بشكل مفاجئ.
وتشير المصادر إلى أن الوزارة بدأت بالفعل في استعادة عقارات استراتيجية، منها مجمع يلبغا وأرض معرض دمشق الدولي القديم التي تبلغ مساحتها نحو 250 ألف متر مربع. وتعتبر هذه الخطوات جزءاً من عملية أوسع لإعادة تقييم الإيجارات القديمة في أسواق تاريخية مثل سوق الحميدية، لتتناسب مع الأسعار الرائجة حالياً وتحصيل بدلات عادلة.
ويرى مراقبون أن ملف الأوقاف يمثل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المؤسسات السورية على تحقيق العدالة الانتقالية في الجانب الاقتصادي والعقاري. فبينما تسعى الوزارة لاسترداد 'حقوق المسلمين' المنهوبة، يخشى كثيرون من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى زعزعة الاستقرار العقاري في المدن الكبرى إذا لم تتم وفق أطر قانونية شفافة وتوافقية.
كما تبرز إشكالية إدارة الأوقاف من منظور شرعي وقانوني، حيث يطالب البعض بمنح المجالس المحلية دوراً أكبر في الإشراف على هذه الأملاك. إلا أن هذا المقترح يصطدم بعقبات قانونية تتعلق بضرورة أن تكون إدارة أوقاف المسلمين من قبل جهات إسلامية حصراً، وهو ما يفتح الباب لنقاشات معمقة حول هيكلية المؤسسة الدينية في سوريا المستقبل.
وتضامنت عائلات حمصية مع آل السباعي في قضيتهم، معتبرين أن 'المنزول' ليس مجرد بناء بل هو رمز لهوية المدينة وتاريخها المرتبط بالعهد الزنكي. وشدد المتضامنون على أن المساس بالأوقاف الذرية الموثقة يثير تساؤلات جدية حول مدى الالتزام بصون الخصوصيات التاريخية للعائلات السورية ودورها المجتمعي المستمر منذ قرون.
ختاماً، يبقى ملف الأملاك الوقفية في سوريا مفتوحاً على احتمالات شتى، بين رغبة حكومية في استعادة أصول بمليارات الليرات، ومخاوف شعبية من آليات التنفيذ. وتظل الحاجة ماسة إلى حوار وطني شامل يضع أسساً قانونية متينة تضمن حماية الأوقاف واستثمارها بما يخدم المصلحة العامة، بعيداً عن تركات الفساد والمحسوبية التي أهدرت هذه الثروات لعقود.





שתף את דעתך
نزاع الأوقاف في سوريا: استعانة بالأرشيف العثماني وصراع على إرث 'رابعة العدوية'