ב 20 אפר 2026 1:28 pm - שעון ירושלים

إتيقا الاعتقاد وسلطان البيّنة: قراءة في أطروحة شفيق اكريكر الفلسفية

تتناول هذه القراءة النقدية أبعاد المحاضرة التي ألقاها الدكتور شفيق اكريكر تحت عنوان 'الاعتقاد والإرادة: بحث في إتيقا الاعتقاد'، والتي استضافتها جمعية الفلسفة السعودية. لا تكتفي الدراسة بعرض المضمون، بل تغوص في المساءلة الفلسفية للبنية الحجاجية والجهاز المفاهيمي الذي اعتمده المحاضر لتفكيك العلاقة المعقدة بين ما نريده وما نصدقه.

تنطلق الدراسة من فرضية جوهرية ترى أن المحاضرة تؤسس لمفهوم معياري للاعتقاد المسؤول، حيث يخضع التصديق لسلطان البيّنة والدليل وحده. وبناءً على ذلك، يتم حصر دور الإرادة في مستويات غير مباشرة، بحيث لا تملك القدرة على فرض قناعات ذهنية تخالف ما انتهى إليه النظر العقلي السليم والبرهان القاطع.

يبرز في المحاضرة تمييز دقيق بين 'إتيقا الاعتقاد' و'إتيقا الفعل'، حيث يرى اكريكر أن الحكم الأخلاقي على المعتقدات يختلف عن الحكم على الأفعال الناتجة عنها. فبينما تخضع الأفعال لمعايير الخير والشر والمنفعة، يظل الاعتقاد محكوماً بشروط التكوّن النزيه والاستجابة الصادقة لما تفرضه المعطيات الإبستيمية على الذهن البشري.

استحضر المحاضر الفيلسوف ابن رشد كركيزة أساسية في أطروحته، مستلهماً من كتابه 'فصل المقال' مبدأ أن التصديق التابع للدليل هو فعل اضطراري. هذا التأصيل يهدف إلى بيان أن تكفير المخالف في المسائل النظرية ينطوي على ظلم معرفي، لأن العقل لا يملك خياراً في قبول النتائج متى استوفت مقدماتها شروط البرهان.

تنتقل الإشكالية في هذه الدراسة من سؤال سيكولوجيا الإرادة إلى رحاب أخلاق المسار المعرفي، حيث تصبح المسؤولية مرتبطة باختيار مصادر المعرفة وعدم الإعراض عن البينات. فالإنسان ليس محاسباً على النتيجة الذهنية التي تفرض نفسها عليه، بل على مدى بذله للجهد في الفحص والتمحيص والابتعاد عن الهوى والتقليد الأعمى.

في سياق المقارنة بين المدارس الفلسفية، عرضت المحاضرة الصراع التاريخي بين 'ركن البيّنة' الذي يمثله ويليام كليفورد و'ركن الإرادة' عند ويليام جيمس. وقد استخدم المحاضر مثال 'مالك السفينة' الشهير لكليفورد للتحذير من فداحة التغاضي عن الشواهد المضادة، معتبراً أن التقصير في تحصيل الدليل هو خطيئة أخلاقية وإبستيمية في آن واحد.

توضح الأجوبة التفاعلية للمحاضر أن 'اللاإرادوية الاعتقادية' لا تعني نفي الحرية الإنسانية، بل تعني فهم الضرورات والحتميات التي تتشكل بموجبها القناعات. وبحسب الرؤية السبينوزية التي استدعاها، فإن الحرية الحقيقية تتجلى في وعي العقل بالشروط التي تنتظم بها اعتقاداته، مما يحقق انسجاماً بين الذات والواقع بعيداً عن الأوهام.

أكد اكريكر على وحدة مفهوم الاعتقاد، رافضاً التمييز الجوهري بين المعتقد الديني والاعتقاد في وقائع العالم الطبيعي من حيث آلية التصديق. فكلاهما يندرج تحت جنس واحد يتطلب نزاهة في التعامل مع الأدلة، وهو ما ينقل النقاش من تصنيف المحتويات إلى تقويم البنية الإبستيمية التي أنتجت هذا المعتقد أو ذاك.

تطرقت الدراسة أيضاً إلى قضية 'التكليف' في الفكر الكلامي الإسلامي، مشيرة إلى نقاشات المعتزلة والأشاعرة حول وجوب النظر. واستشهدت بموقف الآمدي في التمييز بين 'ابتداء الشك' الذي قد يكون خارج السيطرة، و'دوام الشك' الذي يقع تحت قدرة المكلف، مما يعزز العمق التراثي لمسألة إتيقا الاعتقاد.

يظهر الجهاز المفاهيمي للمحاضرة صرامة في تعريف 'الإرادة' بوصفها عزماً واعياً، و'الوضعية الإبستيمية' كإطار يحدد ردود أفعال الذهن تجاه المعرفة المتاحة. هذه المفاهيم تعمل معاً لتوضيح أن العقل البشري يستجيب لما هو متاح له من أدوات إدراكية، مما يفسر تباين الاعتقادات باختلاف الشروط المعرفية للأفراد.

تعتبر 'النزاهة' المفهوم الجامع في هذه الأطروحة، وهي تعني شجاعة مواجهة النتائج التي يفضي إليها النظر حتى لو كانت غير محبوبة. فالنزاهة هنا هي فضيلة معرفية تمنع المرء من الانتقائية في قبول الأدلة، وتلزمه بالعدل في الحكم على المخالفين الذين سلكوا طرقاً نظرية معتبرة للوصول إلى قناعاتهم.

أشارت المحاضرة إلى أهمية 'عقلانيات الجهة'، موضحة أن البيّنة ليست قالباً جامداً بل تختلف معايير كفايتها باختلاف المجالات المعرفية. فما يعد دليلاً كافياً في الميتافيزيقا قد لا يكون كذلك في العلوم التجريبية، وهذا التعدد يفرض على الباحث احترام أنساق المعقولية المختلفة دون السقوط في النسبية المطلقة.

لم تغفل الدراسة جانب 'الشهادة والتقليد'، خاصة في علاقة العوام بأهل النظر، حيث يبرز توتر بين ضرورة اتباع الدليل وبين واقع التفاوت في الأهلية. وقد اعتمد المحاضر رؤية رشدية تسعى لحماية الفضاء المجتمعي من الاستقطاب، مع التأكيد على أن التقليد لا يحوز نفس الوضع الإبستيمي الذي يحوزه النظر المستقل.

تختتم الدراسة بالإشارة إلى أن مشروع إتيقا الاعتقاد لا يزال مفتوحاً على آفاق فينومينولوجية وتأويلية واسعة، خاصة في سياق الثقافة الإسلامية. فالمحاضرة تفتح الباب لإعادة قراءة النصوص التراثية والقصص الفلسفية مثل 'حي بن يقظان' من منظور معاصر يربط بين المعرفة والأخلاق والمسؤولية الإنسانية تجاه الحقيقة.

תגים

שתף את דעתך

إتيقا الاعتقاد وسلطان البيّنة: قراءة في أطروحة شفيق اكريكر الفلسفية

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.