تتصاعد حالة من الذهول الأخلاقي في الأوساط الثقافية والسياسية مع بروز شخصيات كانت تُصنف سابقاً كحالات هامشية، لكنها اليوم تحظى بتكريم رسمي من أعلى المستويات في إسرائيل. فقد تم الإعلان عن فوز عيريت أورن غوندرس، مؤسسة جمعية 'نور للعائلات'، بجائزة إسرائيل لهذا العام، تقديراً لما وصف بـ'إنجازاتها' في دعم العائلات الثكلى عبر مشاريع غير مسبوقة تثير تساؤلات عميقة حول حدود الأخلاق والمنطق.
المشروع الذي نالت بسببه غوندرس الجائزة يعتمد على فكرة 'صندوق نور لحياة جديدة'، وهو برنامج يتيح استخراج الحيوانات المنوية من جثث الجنود الذين سقطوا في المعارك لإنجاب أطفال منهم لاحقاً. وتفتخر غوندرس بأنها أصبحت 'جدة' لـ 38 طفلاً ولدوا بهذه الطريقة لأمهات ثكالى، مشيرة إلى أن نشاطاتها تتجاوز الدعم النفسي التقليدي لتشمل تنظيم فعاليات ترفيهية باذخة تهدف إلى إخراج العائلات من حالة الحزن عبر مظاهر 'قوية ومسرحية'.
ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس غرقاً متزايداً في 'عبادة الموت' داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث يتم تقديس الفقدان وتحويله إلى أداة للاستمرارية السياسية والعسكرية. فبدلاً من مواجهة مآسي الحروب بالبحث عن السلام، تبتكر المؤسسة الإسرائيلية أدوات 'مبتكرة' لضمان ولادة أجيال جديدة من رحم الموت، مما يجعل التضحية بالأبناء تبدو وكأنها عملية قابلة للتعويض البيولوجي والمؤسساتي.
تاريخياً، لم تكن هذه المرة الأولى التي تُمنح فيها جوائز رفيعة بناءً على 'الثكل'؛ فقد سبق وأن فازت رفقة غوبر بالجائزة عام 1976 بعد فقدان ابنيها، وتبعتها مريم بيرتس في عام 2018 للسبب ذاته. إلا أن التطور الحالي في عام 2026 يذهب إلى أبعد من ذلك، حيث لا يُكرم الصبر على الفقد، بل يُكرم 'إنتاج' أطفال سيحملون منذ لحظة ولادتهم هوية مرتبطة بالجثث، مما يضع أعباءً نفسية هائلة على كاهل هؤلاء الصغار في المستقبل.
إعادة تدوير لانهائية للموت تقود إسرائيل؛ فجأة يتبين أن موت الشباب ليس بالفظاعة التي كنا نتخيلها إذا كان الهدف هو الحفاظ على الاستمرارية بأي ثمن.
وتشير مصادر تحليلية إلى أن التوسع في هذا المشروع قد يؤدي مستقبلاً إلى ممارسات أكثر غرابة، مثل إنشاء 'مصانع وطنية للنطف' في ساحات القتال لضمان سحب البذور قبل نقل الجثث إلى المبردات. هذا السيناريو الكابوسي يحول الجندي من إنسان إلى مورد بيولوجي، ويجعل من عملية الإنجاب مجرد حلقة في سلسلة 'إعادة تدوير' تهدف لتغذية المؤسسة العسكرية بجنود مستقبليين ولدوا من آباء قتلى.
إن الرسالة التي يبعثها تكريم مثل هذه المشاريع هي أن موت الشباب لم يعد يمثل الفاجعة التي تستوجب التوقف والمراجعة، بل أصبح مادة خاماً للاستمرارية القسرية. فإذا كان بإمكان الدولة 'تربية بدائل' للذين يسقطون في الحروب، فإن ذلك يمنح القيادة السياسية والعسكرية ضوءاً أخضر للاستمرار في النزاعات المسلحة بقلب بارد، طالما أن 'المصنع الوطني' يعمل على تعويض الخسائر البشرية بأساليب تقنية.
وفي نهاية المطاف، يجد المجتمع نفسه أمام تساؤل جوهري حول 'الحضيض' الذي يمكن أن يصل إليه في تقديس الموت؛ فبينما يتم الاحتفاء بـ 38 طفلاً ولدوا من جثث، يتجاهل الخطاب الرسمي الموت والدمار الذي تلحقه هذه الحروب بالطرف الآخر. إنها دورة لانهائية من الدماء والولادات المشوهة نفسياً، تُدار تحت غطاء 'الجوائز الوطنية' والبطولات الزائفة التي تحاول تجميل وجه الموت القبيح.





שתף את דעתך
إعادة تدوير الموت: جدل في إسرائيل بعد تكريم مشروع لإنجاب أطفال من نطف الجنود القتلى