א 19 אפר 2026 10:30 am - שעון ירושלים

في الصميم.. اللون الأصفر كلغة سيطرة

مرة أُخرى لا يكتفي الاحتلال برسم حدوده بالنار، بل يمضي إلى تثبيت ذلك بصرياً عبر ألوان تتحول تدريجياً إلى جزء من المشهد اليومي، الخط الأصفر في غزة، ثم لاحقاً في جنوب لبنان، ليس مجرد إجراء ميداني، بل هو تعبير عن سياسة تعيد تعريف السيطرة من خلال الرمز قبل القوة، فيصبح معها اللون في حد ذاته إشارة لواقع مفروض، وإنْ لم يكن معلناً، حتى في أراضٍ يفترض أنها ذات سيادة.
هذا الاستخدام للون الأصفر يكتسب معناه الحقيقي حين يوضع في سياق أوسع إلى الضفة الغربية، حيث تنتشر البوابات الحديدية الصفراء على مداخل المدن والقرى الفلسطينية، تُفتح وتُغلق بقرار عسكري لحظي، وتؤسس لحالة دائمة من الترقب، لا تتعلق بالمنع بقدر تحويل الحركة ذاتها إلى "امتياز"، ويؤدي اللون وظيفة نفسية، فيصبح إشارة "مألوفة" تختصر منطق السيطرة حتى في غياب الجنود.
تاريخياً، لم يكن اللون الأصفر رمزاً دينياً، بل ارتبط في الثقافة الغربية بأدوات التمييز والإقصاء، من فرض الشارات في العصور الوسطى، إلى النجمة الصفراء في القرن الماضي، حيث استُخدم اللون كوسيلة لوسم جماعة وعزلها، أي أنه كان لوناً للإشارة إلى الاختلاف المفروض بالقوة، خلفية لا تعني وجود استمرارية مباشرة، لكنها تكشف عن وظيفة اللون في سياقات معينة مرتبطة بالسلطة.
في هذا الإطار، تبرز مفارقة لافتة، فاللون الذي استُخدم تاريخياً لوسم جماعة، يعاد توظيفه اليوم من قبل الجماعة ذاتها كأداة لوسم المكان وأهله، فلا يُفرض على الأفراد فقط، بل يطول الجغرافيا، من بوابات الضفة الغربية إلى خطوط غزة ولبنان، الأمر الذي يُحوّل الجغرافيا إلى شبكة علامات تعيد إنتاج واقع السيطرة بشكل بصري مستمر، وتدفع السكان إلى التكيف مع حدود لم يتم الاتفاق عليها، لكنها تُفرض بالقوة.
اختيار الأصفر هنا ليس اعتباطياً، فهو في الثقافة الحديثة لون الإنذار والتنبيه، ما يجعله "مثالياً" لتهيئة القبول النفسي بالقيود، وينسجم مع تقاليد استعمارية سابقة اعتمدت على العلامات البصرية لترسيم النفوذ، حيث تبدأ الخطوط كإجراءات مؤقتة، ثم ما تلبث أن تتحول إلى واقعٍ دائمٍ أو حدود، وذلك بفعل الزمن والتكرار.
غير أن البعد السياسي الأكثر حساسية يظهر في توقيت ذلك، فبعد دعوات ترمب لوقف التصعيد بالقول: "كفى"، أعاد الاحتلال ضبط أدواته دون تغيير جوهر سلوكه، عبر الانتقال من القصف المباشر -الذي يستمر بحدةٍ أقل- إلى فرض خطوط وتحذيرات تخلق واقعاً ميدانياً جديداً، ما يجعل من تجاوز هذه الخطوط مبرراً جاهزاً لأي تصعيد لاحق، ما يكشف عن محاولة التفاف على الضغط الأمريكي دون الدخول في مواجهةٍ معه.
إعلان جيش الاحتلال أنّ قواعد العمل قرب هذا الخط في جنوب لبنان مشابهة لتلك في غزة يعكس هذا التحول بوضوح، إذ يجري نقل نموذج السيطرة من أرضٍ محتلةٍ إلى أُخرى ذات سيادة، يوسع المجال الأمني خارج أي إطار قانوني، ويؤسس لسابقةٍ تقوم على فرض حدودٍ عبر اللون والتهديد.
ما يتشكل هنا ليس مجرد خطوط ملونة، بل لغة للسيطرة المتكاملة، يتحول معها اللون إلى أداة لإعادة رسم الجغرافيا وتطبيعها، الأمر الذي يفرض التعامل مع ذلك بوصفه سياسة ممنهجة، لا تفصيلاً عابراً، لأن هذه الخطوط لا تُرسم على الأرض فقط، بل وفي الوعي، تسبق الحدود، بل وتصنعها.
 



תגים

שתף את דעתך

في الصميم.. اللون الأصفر كلغة سيطرة

ניוזלטר

היה הראשון לדעת את החדשות החשובות ברגע שהן קורות.

הישאר מעודכן בחדשות האחרונות. הירשם לשירות החדשות הדחופות שמגיע לתיבת הדוא"ל שלך מדי יום.

בהרשמה, אתה מסכים לתנאי השימוש ולמדיניות פרטיות.